
بقلم ندى جوني
انعقد الاجتماع التمهيدي يوم 24 شباط 2026، في القاهرة تحضيرًا لمؤتمر باريس في إطار دعم الجيش اللبناني، وسط اندفاعة عربية ودولية واضحة لإسناد الجيش اللبناني في مرحلة دقيقة وحساسة.
يتقاطع هذا الحراك مع مسار سياسي – أمني عنوانه تعزيز حضور الدولة على كامل أراضيها، ولا سيّما في الجنوب، في ظل الحديث عن استكمال تنفيذ القرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن الدولي، ومحاولات الدفع نحو حصرية السلاح بيد الدولة.
لم يقتصر اللقاء على عرض تقني لحاجات الجيش وقوى الأمن الداخلي، بل عكس مقاربة استراتيجية تسعى إلى تثبيت لبنان ضمن شبكة الأمان الدولية، في ظل تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران واستمرار التهديدات الإسرائيلية.
وقد اتفق المجتمعون على حصر المساعدات المطلوبة في خمسة مجالات رئيسية لضمان استمرارية المؤسستين العسكرية والأمنية، تشمل العتاد والتدريب والاحتياجات اللوجستية، دعم الرواتب، تعزيز الطبابة العسكرية، إرساء آليات حوكمة شفافة لمراقبة صرف المساعدات، إضافة إلى بحث إنشاء صندوق دعم خاص بمساهمة رجال أعمال لبنانيين.
كما شدد الإجتماع على تمكين الدولة من بسط سيادتها وحصر السلاح بيدها. وبرزت مؤشرات أولية إلى التزامات داعمة، من بينها إعلان الاتحاد الأوروبي نيته تقديم مئة مليون دولار كمساهمة أولى مخصصة للمعدات اللوجستية، في إطار توافق دولي ربط أي دعم مستقبلي باستقرار لبنان وتعزيز سيادته.
وبينما تستعد باريس لاستضافة المؤتمر في الخامس من آذار، تتداخل الاعتبارات الأمنية بالرهانات السياسية: دعم الجيش من جهة، وضبط التوازنات الداخلية من جهة أخرى، في ظل خشية من أن تنعكس أي مواجهة إقليمية محتملة مباشرة على الساحة اللبنانية.
إبراهيم ريحان: دعم الجيش أولوية دولية وحصر السلاح مدخل مؤتمر باريس
أوضح الصحافي والمحلل السياسي إبراهيم ريحان أنّ الدلالات السياسية لهذا الاجتماع تعكس اهتماماً دولياً واضحاً بضرورة دعم المؤسسة العسكرية، بوصفها جزءاً أساسياً من اتفاق وقف الأعمال العدائية، ومن التفاهمات المرتبطة بالدول الخماسية المعنية بالملف اللبناني.
وأشار إلى أنّ تعزيز دور الجيش وتثبيت حضوره كسلطة شرعية وحيدة على كامل الأراضي اللبنانية أصبح مطلباً دولياً صريحاً، وهو ما ينصّ عليه اتفاق الطائف، إضافة إلى القرارات الدولية المنبثقة عنه، ولا سيما قرار 1701 وقرار 1680.
ولفت ريحان إلى أنّ المقاربة المعتمدة حالياً هي مقاربة تدريجية، ترتبط بالمهام التي نفذها الجيش في جنوب الليطاني، حيث حقق تقدّماً ملحوظاً سواء على مستوى ضبط السلاح أو على مستوى تعزيز حضور الدولة ومؤسساتها.
وأكد أنّ دور الجيش لا يقتصر على مسألة حصر السلاح، بل يشمل أيضاً ترسيخ سلطة الدولة فعلياً، الذي يتعزز من خلال الانتشار على طول الحدود، لا سيما بمحاذاة الخط الأزرق، وهذا ما شهدناه في المناوشات الأخيرة التي حصبت بين الجيش اللبناني والجانب الإسرائيلي.
وشدّد ريحان على أنّ المقاربة التدريجية لا ترتبط فقط بسلاح حزب الله، بل تشمل سلاح جميع الميليشيات، في سياق تنفيذ وقف الأعمال العدائية، وهي تبقى مرتبطة، بصورة أو بأخرى، بملف المساعدات الدولية. فالدعم المطلوب للجيش، بحسب ريحان، يتمثل أساساً في مساعدات تقنية ولوجستية تعزز قدرته على تنفيذ مهامه وتوسيع انتشاره على كامل الأراضي اللبنانية.
وفي ما يتعلق بمؤتمر باريس، رأى ريحان أنّه من المبكر الحديث عن شكل المشاركة الدولية، في ظل وجود تباين فرنسي–أميركي واضح حيال إدارة الملف اللبناني، ولا سيما في ما يتعلق بجنوب لبنان ودور الجيش. وأشار إلى أنّ مستوى المشاركة سيتأثر بعدة عوامل، منها التوترات الإقليمية، إضافة إلى التجاذب غير المعلن بين الولايات المتحدة وفرنسا، لافتاً إلى أنّ إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا تُحبّذ ان يكون هناك أي دور فرنسي في الملف اللبناني، وهو ما انعكس سابقاً في الآليات السياسية المعتمدة. ورجّح أن يبقى المؤتمر في الإطار التقني والمالي، نظراً إلى وضوح مطالب المجتمع الدولي، والتي تتركز على مسارين أساسيين: أولاً، حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، ولا سيما سلاح حزب الله، وثانياً، تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية المطلوبة، وخصوصاً في ما يتعلق بالسياسات المالية.
واعتبر أنّ الدولة اللبنانية اتخذت خطوات أولى في هذين المسارين، إلا أنّها لم تستكمل بعد عملية حصر السلاح شمال الليطاني، كما لا تزال هناك إشكاليات قائمة، من بينها وضع المخيمات الفلسطينية جنوب الليطاني، فضلاً عن عدم إقرار كامل حزمة الإصلاحات المطلوبة دولياً.
العميد ناجي ملاعب: حصر السلاح قرار سياسي والجيش ينفّذه وفق أولويات الجنوب ودعم دولي مشروط
في إطار متابعة ملف دعم الجيش اللبناني، أوضح الخبير العسكري العميد ناجي ملاعب أنّ مسألة تسليح الجيش ترتبط مباشرة بالمهمة الموكلة إليه اليوم، وهي تنفيذ قرار الحكومة بحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية على كامل الأراضي.
وأشار إلى أنّ هذه المهمة تحظى بمواكبة من القوى الدولية الداعمة للجيش، لافتاً إلى التصريح الذي أدلى به المبعوث الأميركي توم باراك، حين قال إن إسرائيل لن تتمكن من نزع سلاح حزب الله، ما يعني عملياً أنّ مهمة حصر السلاح تقع على عاتق الدولة اللبنانية عبر مؤسستها العسكرية.
وأكد ملاعب أنّ الجيش لا يحدّد عنوان المهمة، بل ينفّذ قرار السلطة السياسية، فيما تحدد الحكومة الإطار العام، أي حصر السلاح.
وفي ما يتعلق بآلية التنفيذ، أوضح ملاعب أنّ المهمة تبدأ بالكشف عن أماكن وجود الأسلحة وضبطها ووضع حراسة عليها، ثم التعامل معها وفق طبيعتها: ما هو غير صالح للاستعمال يُفجّر في مكانه، وما هو صالح يمكن استيعابه ضمن قدرات الجيش. أما الأسلحة التي تتجاوز طاقات الجيش أو لا تدخل ضمن منظومته التدريبية والتسليحية ولا سيما تلك المرتبطة بالدولة الإيرانية فيمكن أن تُعالج عبر تفاهمات سياسية مع الجهة التي تمتلكها.
وشدّد ملاعب على أنّ مهمة الجيش لا تقتصر على منطقة محددة، بل تُنفّذ وفق الأولويات الميدانية. وفي هذا السياق، اعتبر أنّ الجنوب اللبناني يشكّل أولوية ضاغطة أكثر من غيره، مشيراً إلى أنّ نجاح الجيش في تنفيذ مهامه جنوب نهر الليطاني عزّز ثقة الجهات الداعمة بإمكان استكمال المهمة. لذلك، تعتبر المرحلة الممتدة بين الليطاني والأولي أولوية حالياً.
أما في ما يتعلق بالتطورات الإقليمية، فرأى أنّ أي توتر في المنطقة قد يؤخّر تنفيذ المهام أو يفرض أولويات جديدة. ولفت إلى أنّ العلاقات الرسمية بين لبنان وسوريا تشهد حالياً مساراً إيجابياً، سواء لجهة ملف السجناء أو تنظيم عودة النازحين، ما ينعكس استقراراً على الحدود الشرقية.
في المقابل، فإن أي تصعيد بين إيران والولايات المتحدة قد ينعكس مباشرة على الوضع في الجنوب.
وعن واقع تسليح الجيش، استعاد ملاعب مرحلة عهد الرئيس ميشال سليمان، حين حصل لبنان على تعهد سعودي بدعم الجيش بثلاثة مليارات دولار، معتبراً أنّ هذا الدعم كان كفيلاً برفع المستوى اللوجستي والتسليحي للمؤسسة العسكرية. إلا أنّ تعليق هذه المساعدة لاحقاً، ثم الانهيار المالي بعد عام 2019 وتراجع قيمة الرواتب وتحول موازنة الجيش إلى موازنة تشغيلية بالكاد تكفي لتسيير الأعمال، وأثرت بدورها بشكل سلبي على أداء الجيش. وأشار أيضاً إلى استفادة الجيش سابقاً من دعم قوات الطوارئ الدولية العاملة في الجنوب لجهة المعدات والتجهيزات.
وأكد أنّ توفير تمويل يُقدّر بنحو مليار دولار لتنفيذ مهمة محددة يمكن أن يمكّن الجيش من القيام بالمهام المطلوبة. غير أنّ جوهر المهمة، بحسب قوله، هو تنفيذ قرار حصر السلاح، لا الدخول في اشتباكات مع الجهات التي تمتلكه.
وفي هذا السياق، اعتبر ملاعب أنّ دور رئيس الجمهورية محوري في إدارة التفاهمات السياسية، ولا سيما مع حزب الله، بما يسهّل مهمة الجيش ويجنّبه الانزلاق إلى مواجهات مباشرة.
وختم ملاعب بالإشارة إلى أنّ المسار الحالي، سواء من جانب رئاسة الجمهورية أو حزب الله، يبدو متجهاً نحو تجنّب توريط الجيش في اشتباكات، والعمل على معالجة الملف ضمن إطار سياسي يخفف الأعباء عن المؤسسة العسكرية.
