لا مساومات في قضايا التعليم في العصر الرقمي

بقلم الدكتور طلال خواجه- ديمقراطيا نيوز

في تسعينيات القرن الماضي شاء زملائي في الجامعة اللبنانية ان يولوني ثقتهم بإنتخابي في الهيئة التنفيذية لرابطة الاساتذة المتفرغين في الجامعة اللبنانية المتجددة بعد التفريع لثلاث دورات متتالية. وكان على هذه الهيئة مهمات شبه تأسيسية تتقدمها وقف هجرة الاساتذة واعادة الحياة الاكاديمية التي ميزت الجامعة اللبنانية قبل الحرب.
تشكلت الهيئة من خليط متنوع و متعدد من اساتذة، لطالما ساهموا نضاليًا كطلاب في تعزيز الجامعة اللبنانية و التعليم الرسمي عمومًا، و كانوا يفخرون بأنهم نهضوا على رافعة هذا التعليم الذي كان يضاهي و ينافس التعليم الخاص.

نجحت الهيئة في تحسين الرواتب و في استعادة بعض المجالس التمثيلية و تقدمت قي قضية المجمعات والابنية الجامعية، كما حصلت على صندوق التعاضد الذي أرسى شبكة أمان صحي على الاساتذة و عائلاتهم بعد طول معاناة. ومعظم هؤلاء الاساتذة كان قد لعب دورًا ملحوظًا في الحراكات الديمقراطية في الستينيات والسبعينيات التي حصلت على اقرار الضمان الاجتماعي للعمال و لاحقًا الضمان الصحي لطلاب الجامعة اللبنانية، فضلا عن مِنح التفوق والاختصاص الى أرقى الجامعات في العالم المتقدم، كما شاركوا في المواجهات لإنشاء الكليات التطبيقية.

ساهمت هذه الانجازات في عودة الجامعة الى المراتب المتقدمة في المسرح الاكاديمي، رغم المعيقات و الحواجز والتداعيات التي سببتها التدخلات في بناها الادارية والاكاديمية، سواء من القوى والاحزاب الطائفية، سواء من أجهزة الوصاية والهيمنة لنظام الاجرام الأسدي البائد.

لم تكن الهيئات التنفيذية و من ورائها جمهور الأساتذة بلا أخطاء، -خصوصًا- في مقاربتها قضايا التفريع و التعاقد والتفرغ التي كانت تتأثر بواقع الانقسامات المذهبية والمناطقية والفئوية عمومًا، فضلا عن تغاضيها عن خرق قانون التفرغ الذي وصل أحيانًا في ذروة تدهور الرواتب الى التعليم في المدارس الخاصة، علمًا ان المسؤولية الادارية تقع على عاتق السلطات وادارة الجامعة اللبنانية وليس على رابطة الأساتذة.
و للمفارقة فإنه كان من النادر ان يلتحق أولاد الاساتذة في جامعتهم اللبنانية رغم تميّزها في ميادين كثيرة، وطبعًا من الأندر ان يلتحقوا بالتعليم الرسمي الذي تدهور بعد صعود مذهل -خصوصًا- على المستوى الثانوي، وهو ما كان غالبًا ينسحب على أولاد المعلمين في القطاع التربوي الرسمي.

طبعًا حرية التعليم الخاص بكافة مراحله مضمونة في الدستور ولها أطرها وقوانينها. ولطالما شكّل الكثير من مؤسسات التعليم غنى و ميّزات أساسية لبلد الأرز في هذا الشرق القلق. علمًا ان المدارس والجامعات الخاصة شهدت طفرات وتجاوزات فئوية ومذهبية وتجارية، أخرجت الكثير منها من سياقاتها التربوية والاكاديمية والوطنية، ووضعتها أحيانًا في خدمة ايديولوجيا ومصالح غير وطنية.

للأساتذة والقضاة والمعلمين وموظفي القطاع العام -عمومًا-، كما لسائر اللبنانيين حق اختيار المؤسسة التعليمية التي يرونها مناسبة لأبنائهم، ولكن منح التعليم يجب ان تتوازن وتتوحد في كل قطاع، بمعنى ان يتحمّل كل مواطن مسؤولية قراره.

هذا الكلام الذي قلناه قبل الانهيار الاقتصادي قد يبدو الآن هذيانًا بالنظر لواقع الرواتب التي وان تحسنت مؤخرًا، فإنها تبقى قاصرة عن تكاليف المعيشة الكريمة. وخابية التعليم الرسمي -عمومًا- ، ومعه أجيال كاملة من الطبقات الفقيرة والمعدمة التي باتت تتغذى من الجهل والعوز، لن تسندها بحصة صغيرة.

ما نحاول الاضاءة عليه هو أنه في هذا البلد المعطوب بات كل يغني على ليلاه والأعطاب منتشرة عاموديًا وأفقيًا.
ان مقاربة زيادة الرواتب الاخيرة و ما أحاط بها من جولات وصولات واضرابات و رشوات تظهر ذلك، دعك من فيض التباكي حول الضرائب التي تذكرنا بقول مأثور لكمال جنبلاط عن اقتصاد التنكة التي لا يعرف الكثير من المتباكين سعرها اصلا.

لا أريد التبخير لحكومة نواف سلام رغم انها سجلت بعض الاختراقات وانجزت بعض الترميمات في جدار الدولة الرخوة التي تزيدها عبثية وتبعية الحزب المدجج ارتخاء. فالحكومة تسبح في مياه آسنة تطفو عليها محاصصات و تسويات و مزايدات، كما يحصل على سبيل المثال في موضوع بالغ الأهمية كتفرغ اساتذة الجامعة اللبنانية التي مازال يشدني اليها الكثير من المواضيع ومنها موضوع استكمال المدينة الجامعية في المون ميشال/طرابلس.

ومع انني اعتقد بأن هذه الحكومة غير قادرة على انجاز اصلاحات في العمق الاداري والتربوي والاكاديمي بسبب حجم الاهتراء في الدولة العميقة المخترقة من الميليشيا والمافيا وبسبب الاحباط و التراجع في العمل المدني الديمقراطي الجدي ، الا انه يجب ان نشد العزم جميعًا بشتى السبل المتاحة لمنع اعتبار الجامعة اللبنانية العريقة جامعة للفقراء واعتبار التعليم الرسمي ملاذا للمعدمين.
فلا يجوز المساومة في ميادين التربية والتعليم، -خصوصًا- في عصر انفجار المعلوماتية و سيطرة الخوارزميات. علمًا ان الحرب الوحشية الاسرائيلية المدمرة التي استدرجتها ميليشيا الحزب الايراني اسنادًا لرعاته قد تعمق الفارق بين التعليم في القطاع الخاص والذي يعمل بطاقات وبطرق مرنة رغم الظروف القاهرة، وبين التعليم الرسمي والاكاديمي بكافة مراحله بما فيها المرحلة الجامعية، والذي يخضع للمساومات ولاعتبارات سياسية وفئوية تفيض في حالات كثيرة عن الظروف القاهرة، مما يستدعي تحلي الجميع بالمسؤولية وبالمرونة الضرورية لحماية التعليم -عمومًا- و التعليم الرسمي والجامعة اللبنانية -خصوصًا-.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top