عقيدة “بيت هيغسيث” وزير الدفاع الأمريكي: قراءة في كتابه “الحملةالصليبية الأمريكية”

بقلم الياس عيسى الياس- ديمقراطيا نيوز

​في ذاكرتي البعيدة، ثمة مشهد بسيط لجدي وهو يصرّ على إصلاح سياج حديقته الجبلية كلما عصفت بها الريح أو تآكلت أطرافه بفعل الزمن. لم يكن رجلاً صدامياً، بل كان يمتلك حكمة فطرية هادئة تقوم على احترام المسافات.

​حين سألته يوماً عن سر هذا الإصرار على ترميم حدود الأرض، نظر إلى الأفق وقال بهدوء: “يا بني، من لا يملك حدوداً لوجوده، يذوب في وجود الآخرين؛ السياج ليس جداراً يحبسنا، بل هو المبدأ الذي يمنح المكان معناه”.

​هذه الفلسفة الفطرية عن حماية “الحيز الخاص” هي ذاتها التي تتجلى بصورة سياسية صلبة في كتاب “الحملة الصليبية الأمريكية: معركتنا للبقاء أحراراً” والذي يحمل عنوانه الأصلي بالإنجليزية “American Crusade: Our Fight to Stay Free”.

​لم يعد هذا الكتاب، الصادر عن الكاتب والمحلل Pete Hegseth (بيت هيغسيث)، مجرد وجهة نظر عابرة؛ بل أصبح اليوم يمثل “العقيدة الفكرية” للرجل الذي يتبوأ منصب سيد البنتاغون في الإدارة الأمريكية الجديدة.

​إن انتقال هيغسيث من مقعد المؤلف الذي يراقب العالم خلف الشاشات إلى سدة القرار، يفرض علينا تفكيك شيفرات هذا النص الذي يمزج بين القلق الوجودي والنزعة الهوياتية الحادة، لنفهم كيف يفكر الرجل الذي يقود أقوى جيش في العالم.

​يرتكز الكتاب على فلسفة الصدام الحتمي، حيث يرى أن أمريكا لا تواجه خصوماً سياسيين يمكن التوصل معهم إلى “تسوية تاريخية”، بل تعيش صراعاً بين رؤيتين للحياة لا يمكن صهرهما في بوتقة واحدة.

​وهنا تبرز في فكره النزعة “المانوية”. والمانوية في أصلها فكرة قديمة تقسم العالم تقسيماً حاداً إلى معسكرين: نور مطلق وظلام مطلق، خير محض وشر محض. في عقل هيغسيث، لا وجود للمناطق الرمادية؛ فإما أن تكون مع “القيم الأمريكية الأصيلة” أو أنك تسعى لهدمها.

​هذه الرؤية تعيدنا إلى جذور الفلسفة القائمة على الصراع، حيث لا يعترف هيغسيث بالتعددية كإثراء، بل يراها “تفككاً” يهدد صلابة الكيان الوطني. إن استخدام مصطلح “الحملة” يحمل شحنة تتجاوز المعنى التاريخي؛ إنه استنفار لاستعادة ما يراه “مقدساً” قومياً.

​من الناحية الاجتماعية، يعبر الكتاب عن أزمة الهوية في عالم فقدت فيه الحدود معناها التقليدي. يتبنى هيغسيث خطاباً يرفض “تذويب الخصوصيات”، ويهاجم بضراوة السياسات التي تشرع الأبواب أمام هجرات يراها مهددة للنسيج الثقافي للغرب.

​إن قلقه هنا ليس أمنياً بالمعنى العسكري الصرف، بل هو قلق على “نمط الحياة”. فالأمم في نظره لا تسقط بجيوش الأعداء فقط، بل تسقط حين تفقد إرادة القوة وتتخلى عن روايتها التاريخية الخاصة لصالح روايات وافدة.

​في هذا السياق، يصبح “الوزير-المؤلف” مدافعاً عن مفهوم “الدولة القلعة”. حيث يتحول الخوف من الآخر إلى وقود لبناء جدران فكرية وقانونية صلبة. إنها العودة إلى مفهوم “العدو الوجودي” الذي يفرز العالم بين صديق وخصم بشكل قاطع.

​الإشكالية الكبرى التي يطرحها الكتاب اليوم تكمن في المسافة الفاصلة بين “الأيديولوجيا” و”المؤسسة”. فكيف سيتعامل وزير الدفاع، المحكوم بضوابط الدولة العميقة وعلاقاتها الدولية المعقدة، مع عالم يراه عبر عدسة “الحملة”؟

​هل سيتحول البنتاغون من مؤسسة دفاعية إلى منبر لفرض رؤية حضارية أحادية؟ إن الفلسفة التي تتدفق بين سطور هيغسيث توحي بأن القوة العسكرية ليست غاية في ذاتها، بل هي وسيلة لحماية “هوية مطلقة” لا تقبل التفاوض أو التنازل.

​هذا الربط بين العسكر والأيديولوجيا يثير ريبة حلفاء أمريكا وخصومها على حد سواء، خاصة في مناطق التماس الحضاري كالشرق الأوسط، حيث تصبح الكلمة ممهدة للقرار العسكري، وحيث تُفهم القوة كلغة وحيدة للحسم.

​بين سياج جدي الذي كان يرممه ليحمي حديقته، وبين “الحملة” التي يدعو إليها بيت هيغسيث، تبرز المفارقة: هل الحدود وُجدت لكي نتمكن من الحوار من موقع الثقة، أم أنها أصبحت خنادق للاستعداد لصدام لا ينتهي؟

​يبقى الرهان على أن “منطق الدولة” المتمثل في المؤسسات الراسخة قادر على احتواء “حماسة المؤلف”. فالعالم لا يحتمل تحول الوجود الإنساني إلى مجرد قلاع متصادمة، لأن الأوهام حين تلبس رداء السلطة، تصبح قوة قادرة على تغيير مسارات التاريخ.

​في نهاية المطاف، تكتسب الأفكار حياة جديدة حين تلبس الخوذة العسكرية. إننا أمام لحظة تاريخية لا يكفي فيها رصد حركة الأساطيل، بل يجب فيها، قبل كل شيء، رصد حركة الأفكار داخل العقول التي تصنع القرار وتوجه السلاح.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top