نرجسية المظلومية حين تبتلع المظلومية مفهوم المواطنة

بقلم الياس عيسى الياس

​في بيروت، لا تحتاج إلى قراءة كتب التاريخ كي تتذكر الحرب؛ يكفي أن ترفع رأسك قليلاً نحو الجدران التي شاخت قبل أوانها. هناك، بين ثقوب الرصاص وصور الوجوه التي غادرتنا باكراً، تقرأ كلمة واحدة تفيض مرارة: “شهيد”.
​تشعر حينها أن هذه المدينة لا تعيش حاضرها بقدر ما تسكن داخل جرح قديم يرفض الشفاء، وكأن المعافاة في عرفها نوع من الخيانة.

​إن كنت ضحية، فأنا لا أنكر عليك وجعك، فالألم الحقيقي لا يحتاج إلى برهان رياضي أو مرافعة قانونية، لكن ثمة حداً أخلاقياً يجب أن يبقى واضحاً كخيط الفجر فوق صخور جبالنا: أن تكون ضحية لا يمنحك التفويض المطلق لفرض عالمك المأزوم على الآخرين.

​جرحك الشخصي، مهما غار، ليس قانوناً عاماً، ومأساتك ليست عقيدة شمولية يُحبس الوطن داخل أسوارها. أنا لا أرفض الاعتراف بجرحك، لكنني أرفض بشدة أن يتحول هذا الجرح إلى “نظام حكم”.

​عندما نصغي إلى الخطاب السياسي السائد اليوم، نجد استدعاءً وثنياً لجروح لا يُراد لها أن تندمل. التاريخ يخبرنا بحقيقة مظلمة: ليست كل المآسي من صنع الظالمين وحدهم، بل أشدها فتكاً هي تلك التي يصنعها “محترفو المظلومية”.

​أولئك هم الذين استقروا داخل أوجاعهم حتى استحالت هويتهم الوحيدة وتعريفهم الأوحد للوجود. ثمة لحظة في حياة الضحية يتوقف فيها الألم عن كونه حادثة زمنية، ليتحول إلى “بنية” نفسية صلبة، حيث يصبح الجرح بيتاً دافئاً، ويصبح الخروج إلى فضاء المواطنة والسيادة مغامرة مخيفة.

​هنا تبدأ المأساة الكبرى؛ حين لا تعود الضحية تبحث عن الخلاص، بل تطلب من الجميع السكن داخل جرحها إلى الأبد كشرط للانتماء. يقتات خطاب القوة اليوم على “مانيفستو” من الندوب المفتوحة لتبرير استمرارية التعطيل.

​أول هذه الجروح هو “جرح المحرومية” الذي، وبدلاً من أن يكون حافزاً لبناء دولة العدالة، تم تحويله إلى جدار عازل نفسي يقنع الإنسان في الجنوب والبقاع والضاحية بأن الدولة هي “الآخر” الغريب، وأن الحماية لا تأتي إلا من خارج العقد الاجتماعي.

​ثم نأتي إلى “جرح السيادة المستباحة”، حيث تُساق لغة الأرقام والخروقات لتكريس فكرة واحدة: لبنان “جسم مريض” وقدره البقاء في غرفة الطوارئ. والمريض لا يناقش الدستور وهو على طاولة العمليات، وهكذا يُراد للبنانيين أن يظلوا في حالة طوارئ دائمة تمنعهم من سؤال قيادتهم عن جدوى خياراتها.

​أما الجرح الأكثر تأثيراً فهو “جرح الدم المقدس”، حيث يُحوّل الفقد إلى “دين سياسي” يُستخدم كأداة لإسكات أي صوت معارض. الاختلاف هنا لا يُنظر إليه كحق طبيعي، بل يُصنف كخيانة لدم الشهيد، ليتحول الجرح إلى زنزانة تمنع الأحياء من اختيار شكل مستقبلهم.

​في طفولتي، كنت أراقب النجوم من شرفة منزلنا الجبلي، وعلمت لاحقاً أن بعض ما نراه في السماء هو نجوم انطفأ نورها منذ زمن، لكن ضوءها ما زال يسافر إلينا عبر العتمة؛ نحن نظنها حية، بينما هي مجرد بقايا ضوء قديم لحدث انتهى.

​كذلك هو الخطاب الذي يتمسك بالمظلومية كشرعية وحيدة؛ إنه يعيش على ضوء الماضي المسافر، ويرفض الاعتراف بأن شمس الحاضر قد أشرقت وتطلب مكاناً تحت الضوء.
​المعركة الحقيقية اليوم ليست مع “العدو” خلف الحدود فحسب، بل مع الدور الذي بدأ يلتصق بنا كجلد ثانٍ؛ فالإنسان الذي يطيل الجلوس في عتمة مظلوميته يبدأ بالاعتقاد أن الظلام هو الطبيعة الأصلية للنور، وأن السلم والسيادة مجرد أوهام لا تليق بـ”مجتمع الجرح”.

​نحن أمام مفترق طرق مصيري: إما أن نستمر في بناء “نظام الجرح”، حيث تُشرعن الحروب بالآلام وتُعطل الدولة بالأوجاع، أو أن نختار طريق النجم المتوهج الذي يتمرد على ندوبه، لا نكراناً لها، بل تجاوزاً نحو بناء الدولة والانتماء إلى عقد اجتماعي يضم الجميع تحت سقف القانون لا تحت سقف المأساة.

​بناء الدولة يبدأ من اللحظة التي نفهم فيها حقيقة بسيطة: جراحنا لا تعطينا صك ملكية للوطن. الألم قد يشرح الماضي، لكنه لا يحق له أبداً أن يحكم المستقبل، فالوطن لا يشفى عندما نتنافس على عمق الجراح، بل عندما نتجرأ أخيراً على الخروج منها.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top