
بقلم الياس عيسى الياس
كان الفيلسوف اليوناني هيراكليتوس يرى أن “الحرب هي أبٌ لكل الأشياء”، معتبراً أن التدافع والصراع هما قدر الوجود، لكنه في الوقت ذاته كان يبحث عن “اللوغوس” أو المنطق الذي ينظم هذا التناقض ليحوله إلى انسجام. واليوم في لبنان، يبدو أننا غرقنا في “أبوّة” الحرب ونسينا منطق الانسجام.
جاء “الأربعاء الأسود” في الثامن من نيسان، ليكون لحظة الحقيقة المروّعة التي يواجه فيها الوطن مرآته بلا مساحيق، وسط ركام مئة مقر وبنية تحتية عُصفت في ليلة واحدة، مخلّفةً مئات الضحايا في أوسع حملة ضربات منسقة عرفتها الحرب الحالية.
إن حالة العداء التاريخي مع إسرائيل في الوجدان اللبناني لم تأتِ من فراغ؛ فهي نتاج عقود من الاحتلال المرير والاعتداءات المتلاحقة منذ العام 1948. غير أن المأزق يكمن في تحويل هذا العداء إلى “لاهوت سياسي” صلب، حيث تم تجريف السيادة لصالح منطق الساحة المفتوحة.
لقد جرى تغييب “المُعطى الإنساني” من الحسابات الاستراتيجية، رغم كونه الجهة التي تحملت الكلفة الأكبر في صراعٍ تخطّى قدرة المؤسسات الرسمية على الاستيعاب. ومع انقشاع غبار تلك الليلة، انتهت صلاحية سياسة “الغموض الرمادي” التي انتهجها لبنان، لتنتقل مفاتيح الأزمة من التجاذبات الإقليمية إلى أروقة القرار الدولي في العواصم الكبرى.
تشير التقارير إلى أن الأسبوع المقبل سيشهد أول اجتماع رسمي في وزارة الخارجية الأمريكية بواشنطن، بتمثيل لبناني يضم السفيرة ندى حمادة معوض وزيارة مرتقبة لرئيس الوزراء نواف سلام، يقابله السفير الإسرائيلي يحيئيل ليتر، تحت وساطة يقودها المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف مع إشارات لدور فاعل لجاريد كوشنر والسفير ميشال عيسى.
في هذا السياق، يبرز قرار الحكومة المنعقدة برئاسة رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون، وبدفع مباشر من رئيس مجلس الوزراء الدكتور نواف سلام، بطلب حصر السلاح في بيروت بيد القوى الشرعية، كمحاولة لاستعادة دور الدولة الذي تآكل عبر عقود من المحاصصة والارتهان.
هذا التآكل هو نتاج نظام طائفي بنيوي، وما اعتراض وزراء “حزب الله” على هذا القرار، كما نقل وزير الإعلام بول مرقص، إلا انعكاس للفجوة العميقة بين منطق “الدولة” ومنطق “الدويلة”، وتأكيد على أن الطريق نحو السيادة لا يزال محفوفاً بالألغام الداخلية.
ومع ذلك، يدرك الواقعيون أن “حصر السلاح” ليس مجرد إجراءٍ إداري يُتخذ خلف المكاتب، بل هو اشتباكٌ معقد مع موازين قوى إقليمية ودولية متجذرة. وبعيداً عن حسابات السرايا الحكومية، يبرز “العامل البشري” اليوم كأقوى قوة دافعة للتغيير، محمولاً على صرخة وجودية عابرة للاصطفافات، ترفض أن يظل مصير الوطن رهينةً لتوازناتٍ لا تشبه ناسه.
إن أرقام الشهداء وأنين النازحين ليست مجرد إحصاءات، بل هي استعادة حارقة لصرخة غسان تويني التاريخية: “دعوا شعبي يعيش”. إن كسر “المحرّمات” السياسية اليوم يتطلب شجاعةً استثنائية لتعريف “الممكن الوطني” بعيداً عن الأوهام، والذهاب نحو إدارة حكيمة للخصومة مدعومة بحاضنة عربية ودولية صلبة، تضمن انتزاع سيادة مطلقة لا تقبل التجزئة.
جبتُ بالأمس أزقة “الحمرا”، وعبرتُ سكون “الأشرفية” وصولاً إلى أنين “الضاحية”؛ فوجدتُ الوجع واحداً، وإن تفرقت به السرديات. لم يكن ذلك الأربعاء مجرد زلزالٍ عسكري، بل كان ارتطاماً عنيفاً بمرآة الذات، واستعادةً قاسية للوعي عبر شلال الدم.
إن الثمن الذي سُكب على مذبح هذا الوطن يفوق في قدسيته أي تنازلٍ قد يُبذل على طاولة المفاوضات، شريطة أن تكون تلك الطاولة جسراً يعبر بنا نحو قيامة “الدولة”، لا مجرد رصيف انتظار لهدنةٍ هشة تقتات عليها المأساة القادمة.
قبالة صخرة “الروشة”، جلستُ أراقب البحر الذي ابتلع انكساراتنا جيلاً بعد جيل؛ هناك أدركتُ أن الأوطان لا تُشيّد بصخب الشعارات، بل بوقفة صمتٍ مهيبة نُقرّ فيها بأننا استنزفنا أعمارنا في ردهات الانتظار.
لقد استنفدنا كل فرص الهروب، ووقفنا وجهاً لوجه أمام الحقيقة العارية: فإما وطنٌ يشرع أبوابه لأحلامنا، أو ركامٌ نقتسم فوقه رماد العزاء. إن قرار الخلاص اليوم لم يعد رهيناً لطلقة الميدان وحده، بل بات معلقاً في حنجرة من يجرؤ على إطلاق صرخة “كفى” المدوية، باسم الإنسان الذي تاهت ملامحه في دهاليز السياسة المظلمة.
