أخطاء “حزب الله” التي تحوّلت إلى كارثة !!

بقلم خالد صالح

تقول الرواية أن بعض الناس أغاروا على أعرابي ونهبوا ماشيته، فجرى وراءهم حتى صعد تلاً ورآهم من بعيد وهم راجعون بالغنيمة فأخذ يشتمهم ويسبهم ولم يترك كلمةً إلا وقذفها تجاههم، فلما رجع سأله قومه عمّا حصل فقال: “أوسعتهم سبًّا وأودوا بالإبل”، أي أشبعتهم شتمًا لكنهم رجعوا ظافرين بمالي .. وهو الشيء الوحيد المعتبر في المسألة ! ..
أمام المشهد السريالي الذي نعيشه خلال “الحرب القذرة” التي جرّنا إليها “حزب الله”، طفت إلى الواجهة مشهدية مقزّزة، مشهدية حبلى بالضغائن وسموم الكراهية والحقد، وأمام هول ما نشهده من إجرام العدو، قتلًا وحرقًا وتدميرًا وتهجيرا، نكتشف مدى الاختلاف الجذري في المفاهيم الأيديولوجية التي وضعتنا مع الحزب وجمهوره على طرفي نقيض، حتى غدونا كـ “خطين مستقيمين يسيران جنبًا إلى جنب من دون أي إمكانية لالتقائهما” ..
“حزب الله” يتكلم عن أفكار مشاريعه، ينتقد ويسخر، يهاجم ويلعن ويشتم، ويقلل بسخرية مسبّبة للغثيان من مشاريع الآخرين، يحاول منذ أكثر من عقدين ونصف زرع مفاهيمه في صلب الحقائق، اكتفى بالتفكير والاقتناع بها وبانتقاد الغير، ربما نجح في إيهام البعض بنجاح استراتيجياته لكنه أبدا لم يتعلم من فشله، لذلك لايزال في مرحلة التنظير والتفكير والانتقاد والتحقير، وهو أشبه ما يكون بذلك الإعرابي حين قال “أوسعتهم سبًّا وأودوا بالإبل” ..
كثيرة هي الأخطاء التي وقع بها “حزب الله” منذ العام 2000 وحتى اليوم، أخطاء كارثية ارتكبها بحقه أولًا وبحق لبنان ثانيا، أخطاء دفعنا أثمانها بلا أفق، بشرًا وحجرًا وتطورًا ونهضة شاملة لكل القطاعات، وبدلًا من أن يتخذ من الفشل الذي أصابه سلمًا للنجاح ومن الهزيمة طريقا إلى النصر ومن المرض فرصة للعبادة ومن الفقر وسيلة إلى الكفاح ومن الآلام بابا إلى الخلود ومن الظلم حافزا للتحرر ومن القيد باعثا على الانطلاق، وقع في متاهة رؤيته القاتمة التي جعلته ينتقل من خطأ إلى آخر .
أخطأ “حزب الله” عندما لم يستثمر انجاز التحرير ويُجيّره لصالح الوطن، إذ رأى نفسه فوق الدولة وفوق الدستور والمؤسسات وفوق القانون وفوق كل الشركاء في الوطن، وقدّم “السلاح” على ماعداه من أمور بديهية لقيامة الأوطان، فأطلق شعار “السلاح لحماية السلاح” ..
أخطأ عندما ظن أن القبضة الحديدية التي يتباهى بها هي فوق المواثيق فكانت الصدمة الأولى بالقرار 1559 الذي وضعه بين المطرقة والسندان، فتركيبته العسكرية جعلته مؤمنًا أنه من دون “السلاح” سيفقد هيبته ودوره على الساحة السياسية، فاستشرس دفاعًا عنه وشطب كل من ينادي بضرورة تسليمه للدولة حتى لو كان “رفيق الحريري” .
أخطأ عندما أوهم الجميع على طاولة الحوار في الـ 2006 أنه مكوّن من المكوّنات اللبنانية، وأنه فعليًا يُريد الانخراط في الدولة، وعندما بلغ الأمر طرح “الاستراتيجية الدفاعية” التي ستتناول موضوع سلاحه، أقدم على توريط لبنان بـ “حرب تموز” المدمرة آنذاك، ثم خرج علينا بالمقولة الشهيرة “لو كنت أعلم”، وأعاد البلاد سنوات وسنوات إلى الوراء .
أخطأ عندما ظن أن “فائض القوة” يسمح له باستباحة بيروت والجبل دفاعًا عن شبكة اتصالاته، وعندما أسقط حكومة الوحدة الوطنية واستعرض قمصانه السود، ثم كانت الخطيئة الكبرى بدخوله إلى الدول العربية من العراق إلى سوريا واليمن، ضاربًا عرض الحائط بكل علاقات لبنان التي بدأت تنسحب منه شيئًا فشيئًا، حتى أصبحنا بمفردنا في مواجهة “قدر السلاح” المسلط على رقابنا .
أخطأ عندما استفرد بقرار السلم والحرب، فلم يستشر أحدًا في حرب إسناد غزة أولًا، فهو المؤمن بـ “وحدة الساحات” فجر البلاد إلى حرب لاناقة لنا بها ولاجمل، ثم أخطأ عندما أخذته “العزّة بالنفس” عندما ظنّ نفسه فوق مستوى الخروقات الأمنية، فكانت “كارثة البيجر” وما تلاها من استهدافات من العدو طاولت رأسه وأذرعه وكل الأدمغة التي تتحكم به بالسر والعلانية .
ثم أخطأ حين “صمت دهرًا” عن كل الاعتداءات الاسرائيلية على مدى خمسة عشر شهرًا ثم “نطق كفرًا” بستة صورايخ ثأرًا لاغتيال المرشد الإيراني، فوضعت البلاد والعباد في قلب النار، وربط مصير لبنان بمصير مركز قراره في طهران، مُلزمًا الشعب اللبناني بخياراته غير مبالٍ لأكثر من مليون نازح وعشرات القرى الممسوحة عن الخارطة، ثم يخرج ليطالب بـ “الدولة” ..
أخطأ أيضًا عندما “أدلج” جمهوره على لغة السباب والشتيمة واللعن والتهديد بالويل والثبور وعظائم الأمور، زارعًا في نفوسهم لغة البغضاء والحقد والكراهية لكل من قال “كفى”، وصارت عبارة “صهيوني” لازمة للغتهم البالية يكيلون بها لكل من عارضهم أو سار بغير إرادتهم، ونعت كل من يعارضه بالعمالة والإنصياع للخارج، بينما كل قراراته لا تمت للبنان بأي صلة ..
أخطأ حزب الله كثيرًا حتى تفاقمت الأخطاء وبلغت حدود الكارثة على لبنان واللبنانيين، غير عابىءٍ بأوجاعنا جميعنا من دون استثناء، وبدلًا من يقف أمام ذاته وأمام اللبنانيين عمومًا وبيئته على وجه الخصوص معترفا بهذه الأخطاء، يحاول اليوم أن يُغلّفها برفض منطق الدولة نهائيًا والتلويح بالانقلاب عليها و”مسح” كل من يعارضه أو يقف في طريقه ..
لاعودة إلى الوراء، وعلى “حزب الله” أن يعترف أن الأخطاء التي ارتكبها على مدار عقدين ونصف وضعت البلاد برمتها أمام أخطار قد تودي بديمومتها، وبينما المنطقة كلها تسير نحو مشهدية مغايرة لما كانت عليه في المرحلة الماضية، يبرع اليوم بكيل السباب والشتيمة على شاكلة ذلك الاعرابي، بينما الأدوار توزع على الجميع ونحن نقف في صف المتفرجين .

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top