
ا
بقلم الياس عيسى الياس
في البدء، لم يكن صراع “التيتان” مجرد أسطورة إغريقية عابرة صيغت لتفسير ظواهر الطبيعة، بل كان التجسيد الأنثروبولوجي الأول للجموح الإنساني الذي يأبى الانضواء تحت دستور أو قانون أو حتمية بيولوجية. والتيتان، في الوعي الميثولوجي الغارق في القدم، هم آلهة الجيل الأول؛ كائنات هائلة جَسّدت قوى الطبيعة الخام قبل بزوغ عصر المؤسسات والقوانين الأوليمبية.
إنهم يمثلون تلك القوة الفوضوية العارمة التي لا تعترف بالحدود، ولا تخضع إلا لمنطق الغلبة والبقاء الأبدي في مركز الوجود. وفي قلب هذه الملحمة التراجيدية يقف “كرونوس”، إله الزمن الذي حكم عصره الذهبي عبر فعلٍ شنيع: التهام أبنائه الواحد تلو الآخر، مدفوعاً برعبٍ وجودي من أن يزيحه أحدهم عن عرشه المطلق.
ويبدو لي، ونحن نراقب المشهد السياسي العالمي اليوم، أن هذه الروح “الكرونوسية” التي تخشى التغيير وتعتبر المستقبل تهديداً شخصياً، لم تغادر أروقة السلطة في واشنطن أبداً، بل تجسدت في أبهى صورها العبثية في شخصية دونالد ترامب.
ففي العاشر من نيسان 2026، وبينما يراقب العالم عدّاد الزمن وهو يقترب من لحظة رمزية فارقة، نشرت الكاتبة الساخرة جيل كولينز في صحيفة “نيويورك تايمز” مقالاً بعنوان “تأملات في ترامب عند سن الثمانين”.
هذا العنوان ليس مجرد رصد لسنوات رئيس أمضى عمره تحت الأضواء، بل هو تشريح دقيق لسيكولوجية رجل يحاول ابتكار “زمن خاص” يتجاوز حتمية الطبيعة وضوابط العقد الاجتماعي. إننا هنا أمام ما أسميه “الثنائية الإغريقية” في أقصى تجلياتها السياسية؛ وهي الثنائية التي تفصل بين “الجسد الفاني” الخاضع لقوانين الترهل، وبين “الإرادة المتجاوزة” التي ترفض الاعتراف بالهزيمة أمام القدر.
ترامب، بتركيبته السيكولوجية الفريدة، يعيش هذا الصراع التراجيدي بكل جوارحه: جسد يطرق أبواب الثمانين بكل ما تحمله من دلالات الوهن، وإرادة “تيتانية” تتصرف وكأنها في ريعان الشباب، محاولةً القفز فوق الدستور والمنطق. هو يرفض أن يتقاعد بوقار كـ “شيخ حكيم”، تلك الصورة التي نجدها في شخصية جيمي كارتر، ليصر بدلاً من ذلك على دور المحارب الذي يحاول التهام الزمن قبل أن يلتهمه الأخير.
تذهب كولينز بعبقريتها الساخرة بعيداً حين تلمح إلى أن ترامب يمنح “الشيخوخة” سمعة سيئة في الوجدان الجمعي. فالرجل الذي أمضى سنواته يسخر من خصمه الديمقراطي جو بايدن بلقب “جو الناعس”، وهو المصطلح الذي ابتكره ترامب لترسيخ صورة منافسه كعجوز واهن يفتقر لليقظة، يجد نفسه اليوم متلبساً بالعبء البيولوجي ذاته؛ إذ انقلب السحر على الساحر وبات المهاجم محاصراً بظلال الزمن التي حاول طردها عبر وصم الآخرين بها. وهنا تبرز المفارقة التي تستوقفني شخصياً: كيف يمكن لرجل بنى أمجاده على “التحطيم الرمزي” لخصومه عبر بوابة “العمر”، أن يسقط في فخ الرموز ذاتها التي نصبها كشرك للآخرين؟
بيد أن المفارقة الأنثروبولوجية العميقة تكمن في أن أمريكا، تلك الأمة التي ولدت من رحم الثورة على “الممالك الهرمة” وعجز القارة العجوز، تجد نفسها اليوم رهينة “جرينتوقراطية” (Gerontocracy) متصلبة؛ ونقصد بها حكم الشيوخ المستقتلين على مقاليد السلطة في خريف العمر، محولين المسرح السياسي إلى نادٍ مغلق للنخب المسنة. هنا يتحول نفوذ السلطة إلى “إكسير حياة” زائف، ويصبح التمسك بالمنصب غاية قصوى لتأجيل مواجهة الحقيقة المرة: أن الغروب الشخصي آتٍ لا محالة. وكأن البقاء في “المكتب البيضاوي” هو الوسيلة الوحيدة للتمرد على الفناء واسترداد شبابٍ ضاع في أروقة الصفقات والطموح الجامح.
في المقارنة التاريخية والأخلاقية التي تعقدها كولينز مع جيمي كارتر، يتجلى الفرق الجوهري بين “الحكمة” و”الهوس بالبقاء”. كارتر، في الفكر السياسي المعاصر، يمثل النموذج المثالي للرئيس الذي فهم أن السلطة ليست تملكاً بل “نوبة حراسة” مؤقتة، وأن الحياة الحقيقية تبدأ بعد مغادرة البيت الأبيض. كارتر، الذي تصالح مع “كرونوس” ومشى في خريف عمره نحو بناء مساكن الفقراء، حول شيبته إلى حكمة ناضجة تخدم المجتمع. أما ترامب، فيتعامل مع الحياة خارج السلطة كـ “عدم” أو فراغ لا يستحق عناء العيش؛ هو لا يرى في الرؤساء السابقين قدوة، بل يراهم صوراً باهتة في متحف هو يرفض دخوله، مفضلاً خوض معاركه الشخصية حتى الرمق الأخير.
الخطر الحقيقي الذي تلمسه الكاتبة، والذي يتجاوز حدود الطرافة ليصل إلى منطقة “الرعب السياسي”، يكمن في هذا الجموح نحو كسر القواعد الدستورية الراسخة.
فتساؤل ترامب الذي أطلقه مؤخراً: «هل نفعلها مرة رابعة؟» ليس مجرد دعابة انتخابية عابرة، بل هو إشارة لولاياته الثلاث السابقة (باعتبار ولاية 2020 التي يصر على أنه فاز بها رمزياً) وتطلعٍ لولاية رابعة في 2028. هذا التطلع يعد تعبيراً عن نزعة خلود سياسية قسرية لا تعترف بالدستور الذي يحدد الرئاسة بولايتين فقط. هذا الجموح يكسر العقد الاجتماعي والبيولوجي معاً؛ فهو يحرم أجيالاً كاملة من فرصة القيادة والتجديد، مقدماً بدلاً منهم صورة “الطفل الثمانيني العابر للقارات”، الذي لا يعترف بحدود الزمن ولا بسيادة القانون.
وبالعودة إلى الرموز التأسيسية لأمريكا، أمثال جورج واشنطن، ندرك حجم الهوة السحيقة. واشنطن لم يصنع التاريخ عبر “الأقدمية” أو التشبث بالكرسي، بل عبر “فعل التنحي الطوعي” الذي أصبح حجر زاوية في الديمقراطية الحديثة. لقد أدرك أن قوة الدولة تكمن في تداول الأدوار لا في تأليه الشخوص. أما ترامب، فهو يحاول صناعة مجده بكسر الأرقام القياسية في العمر، وبالقدرة على العودة من الرماد في كل مرة، متحدياً منطق التراجيديا التي تنتهي دائماً بسقوط البطل أمام حتمية القدر.
تختم كولينز هذا التشريح السيكولوجي بلقطة سينمائية مهيبة، تتجاوز حدود المقال الصحفي لتدخل رحاب الخيال الأدبي؛ حيث تتخيل مأدبة عشاء جنائزية يترأسها “كرونوس” نفسه، ويجتمع حولها الرؤساء الذين عبروا تاريخ أمريكا، ليس كقادة بل كأطياف تراقب مآل الإمبراطورية.
في هذا المشهد، يبرز التباين الأخلاقي في أبهى صوره؛ نرى رونالد ريغان الذي غادر المشهد برسالة وداعية تفيض بتفاؤل “الفجر المشرق”، متصالحاً مع فكرة الرحيل عن المسرح، ونلمح جون آدامز الذي قضى ربع قرن من العزلة الاختيارية يتأمل شؤون الدولة بصمت الوقار، مؤمناً بأن دور الفرد ينتهي ليبقى دور المؤسسة.
لكن، وسط هذا الوقار التاريخي، يبدو ترامب كضيف غريب، بل كعنصر “مشاغب” يرفض بروتوكول الغروب؛ إنه الضيف الذي يرفض الاعتراف بأن العشاء قد انتهى، وبأن الأضواء توشك أن تخبو، وبأن المقاعد فارغة إلا من ذكريات أصحابها. هو لا يتصارع مع خصوم سياسيين هنا، بل يتصارع مع “النهاية” ذاتها، محاولاً سرقة لحظة إضافية من الضوء قبل أن يحل الظلام البيولوجي والدستوري.
وهنا يطرح المقال سؤاله الجوهري الذي يتجاوز حدود البيت الأبيض: هل نحن أمام “دراما ترامبية” تنتمي لمسلسلات الواقع، أم أننا أمام كوميديا سوداء تجلد الذات الأمريكية؟ أم هو في حقيقته فيلم رعب سياسي يصور للعالم كيف يمكن لـ “هوس الخردة” بالسلطة أن يعطل حركة التاريخ؟ إن هذا التساؤل لا يختصر حال واشنطن فحسب، بل يختصر القلق الوجودي الذي يلف الكوكب بأسره؛ فنحن نعيش في عصر يرفض فيه القادة الهرمون تسليم الشعلة، مما يجعل العالم بأسره رهينة لانتظار “بطل” لا يريد مغادرة خشبة المسرح، حتى لو احترقت الستائر خلفه.
وفي لبنان، ونحن نراقب هذه المشهدية الأمريكية المعقدة بقلوب مثقلة، ندرك تماماً معنى أن يرتبط مصير الدول بشخصيات ترفض الغروب، وتدخل الشعوب في متاهات صراعها الشخصي مع “الزمن”. الفرق أن ترامب، وهو يطرق أبواب الثمانين في حزيران المقبل، لا يزال يمتلك القدرة على تحريك الأسواق العالمية والجيوش والسياسات الدولية، مما يجعل من “مسلسل الرعب” واقعاً نعيشه جميعاً. نتابعه بشغف وقلق، بانتظار ما سيسفر عنه صراع الطموح “التيتاني” مع “كرونوس” في أروقة واشنطن التي لا تنام، حتى لو كان سيدها بحاجة ماسة لبعض السكينة في خريف العمر.
