
بقلم ندى جوني
دخلت الساحة اللبنانية مرحلة هي الأكثر تعقيداً منذ بدء التصعيد، وذلك عقب الإجتماع الذي عقد يوم الخميس 23 نيسان في واشنطن بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي برعاية أميركية مباشرة قبل انتهاء مهلة الهدنة الأولى.
ومع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب تمديد الهدنة مرة ثانية لثلاثة أسابيع إضافية، يبدو أن المنطقة أمام مخاض سياسي تفرضه واشنطن كبديل عن الخيار العسكري الشامل، ولكن بشروط ميدانية قاسية.
يأتي هذا التمديد الطويل نسبياً ليطرح تساؤلات جوهرية حول مصير الجبهة اللبنانية في ظل تراجع القدرات العسكرية لحزب الله وعزله وتفكيك ارتباطه العضوي بطهران.
يرتكز جوهر التحرك الأميركي الحالي على استراتيجية فصل المسارات، بهدف تحييد لبنان عن الصراع الإيراني الأميركي، ووضعه أمام استحقاق التفاوض المباشر. ومع استمرار الاحتلال الإسرائيلي لمناطق واسعة في الجنوب، تظل هذه الأسابيع الثلاثة حاسمة في تحديد ما إذا كان لبنان يتجه نحو تسوية سياسية شاملة تنزع فتيل السلاح، أم أنه سيكون أمام مواجهة عسكرية جديدة.
فادي كرم: هدنة 3 أسابيع فرصة لإثبات سيادة الدولة ومنع استخدام لبنان كورقة تفاوض
في حديثه، اعتبر النائب فادي كرم أنّ الهدنة الممدّدة لثلاثة أسابيع تشكّل فرصة جديدة أمام الدولة اللبنانية لإثبات قدرتها على ضبط السلاح غير الشرعي وبسط الأمن على كامل أراضيها، بما يمنع استخدام لبنان كساحة للحرس الثوري الإيراني أو كورقة في التفاوض بين واشنطن وطهران، مشددًا على أنّ هذه مسؤولية أساسية تقع على عاتق الدولة.
وأوضح أنّ ما يُعرف بالخط الأصفر لا يحمل صفة قانونية، بل هو إجراء أمني تفرضه إسرائيل وقد يتوسّع في حال عدم التوصل إلى حل لمسألة سلاح حزب الله، معتبرًا أنّ تفادي التصعيد يتطلب مفاوضات جدية لنزع فتيل الحرب وإنهاء حالة الصراع بين لبنان وإسرائيل.
وأشار كرم إلى أنّ لبنان دخل مسار مفاوضات مباشرة بمبادرة من رئيس الجمهورية جوزاف عون، بهدف تأمين الاستقرار وإبعاد شبح الحروب، وإخراج لبنان من دائرة التجاذبات الإقليمية، لافتًا إلى أنّ هذه المفاوضات تشمل أيضًا تواصلاً مع الولايات المتحدة، في ظل اهتمام من الرئيس دونالد ترامب بإنجاحها وتسجيل تقدم على صعيد تحقيق الاستقرار في المنطقة.
وأكد كرم أنّ لبنان يتفاوض اليوم بشكل مباشر دفاعًا عن مصالحه، سواء مع إسرائيل التي تحتل أراضيه، أو مع الولايات المتحدة الأميركية كطرف مؤثر في هذا الملف، مشددًا على أنّ الهدف الأساسي للبنان هو نزع فتيل الحرب والانتقال إلى حياة طبيعية، فيما يتركّز هاجس إسرائيل على الأمن، خصوصًا في مناطق الشمال.
وشدّد على أنّ الخيار الوحيد أمام لبنان هو أن يكون دولة كاملة السيادة، معتبرًا أنّ ذلك لا يعني الاستسلام بل تحقيق السلام والاستقرار.
وفي المقابل، انتقد كرم سياسات “حزب الله”، معتبرًا أنّ استمرار ربط لبنان بأجندات خارجية يعرّض الدولة والشعب لمخاطر وجودية ويهدد أسس الشراكة الوطنية.
وفي ما يتعلّق بدور المؤسسة العسكرية، أكد أنّ الجيش اللبناني يمتلك القدرة على فرض الأمن وتنفيذ قرارات الدولة، إلا أنّ المرحلة الحالية تتطلب فك الارتباط مع أي تفاهمات خارج إطار الدولة، والقيام بدوره الكامل في حماية السيادة.
وختم كرم بالتنبيه إلى أنّ أي تقاعس عن ذلك سيؤدي إلى أثمان أكبر وانزلاق نحو وضع أكثر صعوبة، في وقت تستمر فيه إسرائيل بعملياتها انطلاقًا من اعتبارات أمنية خاصة بها، ما يفرض على الدولة اللبنانية التحرك بجدية لحماية مصالحها الوطنية.
ناجي الملاعب: هدنة 3 أسابيع برعاية أميركية فرصة استثنائية لفرض توازن بين حصر السلاح وإنهاء الاحتلال
رأى العميد ناجي الملاعب أنّ الخيار الذي اتخذه رئيس الجمهورية جوزاف عون بالتوجه نحو التفاوض يمثّل خيار غالبية اللبنانيين، معتبرًا أنّ قرار الحرب لم يكن يومًا محل إجماع وطني.
وأشار إلى أنّ لبنان يحظى اليوم برعاية أميركية مباشرة، لافتًا إلى أنّ طرح التفاوض لم يلقَ صدى لدى إسرائيل في البداية، لكنه اكتسب جدية بعد تدخل الرئيس دونالد ترامب، ما ساهم في فرض مسار وقف إطلاق النار. وأوضح الملاعب أنّ إسرائيل تستند إلى ذريعة أمن المستوطنات لتبرير إجراءاتها، ومنها السعي إلى فرض منطقة خالية من السلاح ضمن ما يُعرف بالخط الأصفر، مشيرًا إلى أنّ هذا الطرح حظي بقبول أميركي، في حين انتقد موقف الاتحاد الأوروبي الذي اعتبر أنّ إسرائيل تدافع عن نفسها، وندد بهجمات “حزب الله.”
وأكد ملاعب أنّ الهدنة لثلاثة أسابيع، برعاية أميركية، تقوم على سقف مطالب لبنانية شبه موحّد، حتى لدى أطراف لم تكن متحمسة سابقًا لفكرة التفاوض، معتبرًا أنّ هذه اللحظة تمثل فرصة استثنائية يجب على لبنان استثمارها، خصوصًا أنّ الولايات المتحدة تبقى الطرف الوحيد القادر على التأثير في القرار الإسرائيلي.
وأشار إلى أنّ الرئيس ترامب يسعى إلى تحقيق إنجاز سياسي يتمثل في رعاية اتفاق يفضي إلى وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، ما يمنحه دفعًا سياسيًا داخليًا، إلا أنّه شدد على أنّ المسار لا يزال معقدًا، وأن الاجتماعات الحالية تندرج في إطار التحضير لا التفاوض النهائي، كما وصفها وزير الثقافة غسان سلامة. وفي ما يتعلق بأفق الحل، أوضح أنّ أي اتفاق محتمل قد يستند إلى اتفاقية الهدنة 1949 مع إدخال تعديلات عليها، مؤكدًا أنّ لبنان لن يذهب نحو توقيع اتفاق سلام منفرد، في ظل غياب إجماع عربي، وخصوصًا قبل أي مسار مماثل تقوده المملكة العربية السعودية.
وختم الملاعب بالتأكيد على أنّ المرحلة الحالية لا تتجه نحو صدام داخلي، وأنّ الطروحات الدولية، بما فيها مواقف المبعوث الأميركي توم باراك، تشير إلى أنّ مسألة نزع السلاح لا يمكن أن تُفرض بالقوة. واعتبر أنّ الفرصة المطروحة تكمن في صيغة توازن تدريجية، تقوم على ربط حصر السلاح بانسحاب إسرائيلي مرحلي من الأراضي المحتلة، بحيث يتحقق نوع من التكافؤ في الخطوات، ما قد يفتح الباب أمام استقرار فعلي وتحرير تدريجي للجنوب دون الانزلاق إلى مواجهة جديدة.
سامر سعادة: لا سيادة فعلية في لبنان من دون حصرية السلاح بيد الدولة
في حديثه، شدّد النائب السابق سامر سعادة على أنّ لبنان لا يمكنه القبول بأي وجود عسكري إسرائيلي في الجنوب، مهما كان توصيفه أو تبدّل شكله، معتبرًا أنّ هذه القضية ترتبط مباشرة بالسيادة الوطنية التي لا تخضع للتفاوض أو إعادة التفسير. لكنه في المقابل أشار إلى ضرورة الاعتراف بأن هذا الواقع مرتبط بقدرة الدولة اللبنانية على فرض مرجعيتها الكاملة على أراضيها، لافتًا إلى أنّ غياب هذه المرجعية ووجود سلاح خارج إطار الدولة جعلا الجنوب ساحة مفتوحة لصراعات إقليمية لا تخدم مصلحة لبنان.
وأوضح سعادة أنّ المطلوب اليوم هو استعادة القرار الوطني عبر التطبيق الكامل للقرارات الدولية، وانتشار الجيش اللبناني بشكل فعلي، مؤكدًا أنّ لبنان دفع أثمانًا باهظة نتيجة ربطه بأجندات خارجية، من غزة إلى إيران، وهي سياسات لم تحمِ البلاد بل زادت من المخاطر التي تواجهها.
وأضاف أنّه في ظل الواقعين العسكري والدبلوماسي الدوليين، لا يمكن تحقيق انسحاب إسرائيلي مستدام من دون قيام دولة لبنانية كاملة السيادة، كما لا يمكن تحقيق سيادة فعلية بوجود سلاح خارج إطار الدولة.
وفي ما يتعلّق بمسار السلام أو التطبيع مع إسرائيل، أكد أنّ موقف الدولة اللبنانية واضح وثابت برفض الدخول في أي مسار من هذا النوع، والتمسّك بالثوابت السيادية التي حكمت سياستها الخارجية تاريخيًا. كما أشار إلى أنّ أي احتمال للقاء مباشر على مستوى رئاسي مع بنيامين نتنياهو ليس مطروحًا كخيار سياسي، بل يبقى قرارًا سياديًا يعود لرئيس الجمهورية ومؤسسات الدولة وفق تقدير المصلحة الوطنية.
وعن مسألة السلاح، اعتبر سعادة أنّ ربط نزع السلاح بمفهوم الاستسلام هو تبسيط غير دقيق، لأن القضية تتعلّق ببنية الدولة ومرجعية القرار السيادي. ورأى أنّ لبنان ليس أمام خيارين متطرفين، بل أمام مسار واقعي يقوم على استعادة منطق الدولة بشكل تدريجي.
وأكد سعادة أنّ الجيش اللبناني مؤسسة أساسية تحظى بثقة المواطنين، ودوره محوري في حماية السيادة والاستقرار، إلا أنّ مهمته تبقى تنفيذ قرارات السلطة السياسية لا صنعها. لذلك، فإن الحديث عن الضغط على الجيش غير دقيق، إذ إن القرار يبقى بيد الحكومة، فيما يتولى الجيش التنفيذ على الأرض. وشدّد على أنّ المطلوب من المجتمع الدولي هو دعم الجيش لتمكينه من القيام بدوره وفق قرارات الدولة.
وختم سعادة بالتأكيد على أنّ الخيار الحقيقي يتمثل في حصرية قرار الحرب والسلم بيد الدولة اللبنانية، عبر مؤسساتها الشرعية، وعلى رأسها الجيش والقوى الأمنية. واعتبر أنّ السلاح غير الشرعي، و-خصوصًا- سلاح “حزب الله”، لم يحقق الحماية للبنان، بل أدخله في دورات متكررة من الصراعات، مكلّفًا الدولة أثمانًا سياسية واقتصادية وأمنية كبيرة.
ودعا سعادة إلى الانتقال بطريقة منظّمة ومدروسة نحو حصرية السلاح بيد الدولة، بما يحفظ الاستقرار ويمنع الانزلاق إلى الفوضى، مؤكدًا أنّ هذا المسار لا يعني الاستسلام، بل استعادة تدريجية وكاملة لسلطة الدولة وقرارها السيادي.
