
بقلم الياس عيسى الياس
يُقال إن السياسة في جوهرها هي “فن الممكن” وصناعة الاستقرار، لكن المتابع للمشهد اللبناني يلحظ انزلاقاً نحو خيارات تفتقر، في أحيان كثيرة، إلى ضوابط الأمان الوطنية.
واليوم، يبدو القلق دفيناً حيال محاولات إعادة تأطير التاريخ الشيعي اللبناني الذي اتسم بالانفتاح والعروبة ضمن قوالب أيديولوجية تبدو غريبة عن موروثه المرتكز تاريخياً على حماية الكيان الوطني والعيش المشترك.
لقد كان العقل الشيعي في لبنان، عبر تاريخه الحديث، قاطرة للتحديث والمدنية. ومن يقرأ في إرث الراحل كامل مروة، يدرك كيف كانت الصحافة جسراً للعروبة والحداثة. وفي الفكر، نجد أن طروحات حسين مروة ومهدي عامل كانت تنشد الدولة المدنية قبل أي شيء آخر.
هذا التاريخ، الممتد من منارات “جبل عامل”، هو الذي قدم رائف خوري برؤيته الديمقراطية، والمؤرخ محمد جابر آل صفا الذي وثّق الهوية الوطنية بعيداً عن صراعات “الساحات”.
هذه الطاقة الإبداعية لم تكن يوماً حبيسة الخنادق؛ فالعقل الذي أنتج عالم “ناسا” مصطفى شاهين، والجراح العالمي محمد جواد خليفة، والبروفيسور رملي رملي، هو عقل يطمح للمختبر والجامعة بقدر ما يتوق للاستقرار تحت سقف القانون.
لقد عمل كبار مثل السيد هاني فحص والسيد محمد حسن الأمين على تكريس مفهوم “المواطنة”، مؤمنين بأن التدين لا يتناقض مع الدولة.
وهنا تبرز الإشكالية المعاصرة مع نظرية “ولاية الفقيه” في تطبيقاتها السياسية؛ إذ تحولت من فضاء البحث الفقهي إلى مرجعية تطرح تحديات معقدة حول “توازن الولاءات” بين الهوية الوطنية والدستورية وبين التزامات عابرة للحدود.
هذا التحول وضع الطائفة أمام معضلة الازدواجية، حيث قد تتقاطع بعض “التكليفات” مع مصالح إقليمية لا تعكس بالضرورة الأولويات الحياتية للمواطن في الجنوب أو البقاع.
إن الفقه الشيعي التقليدي، كما نظّر له العلامة محمد مهدي شمس الدين، يميل إلى “واقعية الدولة” وحقن الدماء. وفي “صلح الحسن” درس بليغ في تقديم مصلحة الجماعة واستقرارها على صراعات السلطة، تماماً كما كانت “صحيفة المدينة” نموذجاً للتعايش القائم على المصالح المتبادلة.
فمن أين تسللت لغة “الصدام المطلق” التي باتت تهدد المنجزات الوطنية؟ لقد تسببت الرهانات الحالية بكلفة باهظة؛ من نزوح ودمار طال قرى عُمرت بدم القلوب وأموال الاغتراب، ما يفرض اليوم حاجة ملحة لمراجعة نقدية شجاعة تحمي الإنسان قبل الشعارات.
هذا المأزق السياسي ينسحب بالضرورة على الفضاء التربوي؛ إذ يبرز التساؤل حول الخطاب التعليمي في بعض المؤسسات: هل نغرس قيم المواطنة والاندماج، أم نكرس “انفصالاً شعورياً” عن الشريك في الوطن؟ إن المادة 10 من الدستور، وإن كفلت حرية التعليم، إلا أنها تفترض بناء أجيال تكون شريكة في البناء الوطني، لا وقوداً لتجاذبات إقليمية منهكة.
إن العودة إلى منطق الدولة وتفعيل المادة 52 من الدستور، التي تحصر الصلاحيات السيادية برئيس الجمهورية، تشكل أحد أهم مخارج الإنقاذ. إن البحث عن خيارات الاستقرار، بما فيها مفهوم السلام العادل والشامل، ليس خروجاً عن الثوابت، بل هو ممارسة لـ”فن الممكن” لحماية ما تبقى من الوطن.
لبنان الذي نتوق إليه هو لبنان “الدولة لا الساحة”، الذي يعيد لأبنائه الشيعة دورهم الريادي كجسور للتواصل.
فهل نغلّب حكمة “الصلح” التاريخية على مغامرات “الصدام” المفتوحة، أم نترك الواقع المر يزداد مرارة تحت وطأة رهانات باتت كلفتها تفوق قدرة الإنسان ومستقبل الأجيال؟
