​26 نيسان 2026: مخاض الهوية وبقايا الأوهام.. هل اكتمل جلاء الوعي؟

بقلم الياس عيس الياس

​تطل علينا شمس السادس والعشرين من نيسان عام 2026، والمدى اللبناني ليسu كما كان قبل عقدين، ولا حتى كما كان قبل عامين. في مثل هذا اليوم من عام 2005، كانت قوافل العسكر السوري تغادر جغرافيا الأرض، واليوم، ونحن في نيسان 2026، نشهد جلاءً من نوع آخر؛ جلاءً تفرضه حركة التاريخ العنيفة التي اقتلعت عروشاً في دمشق، وزعزعت أساطير “الساحات الموحدة” التي استوطنت في وجداننا السياسي طويلاً.

إننا اليوم لا نحيي ذكرى خروج جيش، بل نقف على أطلال منظومة فكرية وسياسية راهنت على “الخارج” فابتلعها الحاضر، مؤكدين أن القراءة السطحية للتاريخ تكتفي برصد حركة الشاحنات العسكرية عند نقطة ‘المصنع’، لكن القراءة الأنثروبولوجية التي نحتاجها اليوم تُخبرنا أن الاحتلال الحقيقي لا يسكن في الثكنات، بل في ‘البنى الذهنية’ التي تتغلغل في وعي الجماعات.

منذ ربيع 1976 وحتى ربيع 2005، لم يكن الوجود السوري مجرد ثقل عسكري، بل كان “مختبراً كيميائياً” لإعادة صياغة الهوية اللبنانية وتدجينها، حيث حاول ذلك النظام صهر “الذات” اللبنانية القائمة على التعددية والحرية في بوتقة “التبعية” الصماء، وعندما غادر العسكر في نيسان 2005، توهمنا أن الاستقلال قد اكتمل، غافلين عن أن “الوكلاء المحليين” قد ورثوا “مفاتيح عنجر” المعنوية، فاستُبدلت وصاية مباشرة بـ “سطوة” عابرة للحدود ملأت الفراغ بضجيج السلاح الإقليمي، ليدخل لبنان في نفق “الارتهان الإيراني” الذي جعل من وطن الأرز مجرد ساحة دفع أثمان في صراع المحاور الكبير.

​نحن اليوم في نيسان 2026، والمشهد السوري الذي كان يظنه البعض “أبدياً” صار أثراً بعد عين، سقط نظام الأسد، ومع سقوطه تهاوت “مظلة الحماية” التي استند إليها المشروع الإقليمي في لبنان، وظهر حزب الله في أضعف لحظاته التاريخية، ليس كضحية صدفة عابرة، بل كضحية لمنطق “الارتهان” نفسه، بعدما استُنزفت قواه في حروب لا تشبه لبنان، ليجد نفسه اليوم مكشوفاً تماماً في أتون المواجهة الأمريكية-الإيرانية المباشرة التي جعلت من لبنان رهينة جغرافية لا شريكاً في القرار.

إن انكسار “الهيبة” وانكفاء السطوة اللذين نشهدهما اليوم ليسا إلا الدليل الدامغ على أن “القوة المستعارة” هي وهم يتبخر عند أول منعطف جدي للتاريخ، وهو ما يعيدنا دائماً إلى المربع الأول ويدفعنا للسؤال: لماذا نبدل أوصياءنا ونسمي ذلك “سياسة”؟

الجواب يسكن في تلك “الذهنية الطائفية” التي هي أبعد من كونها انتماءً دينياً؛ إنها “غريزة احتماء” تُعطل العقل وتحول المواطن إلى “رعية”، حيث يرى اللبناني في “شريكه في السكن” عدواً مفترضاً، وفي “الممول الإقليمي” أباً حنوناً، في مأساة “ذمية سياسية” جعلت من القوى المحلية مجرد بيادق في رقعة شطرنج دولية.

​لقد استُخدم مصطلح “الوجود السوري الضروري والشرعي والمؤقت” لشرعنة الاحتلال سابقاً، واليوم تُستخدم شعارات السيادة الملبدة بالارتهان لشرعنة تبعيات لا تقل خطورة، بينما “الضرورة” الوحيدة التي يجب أن نؤمن بها هي العودة إلى “الذات اللبنانية” الرافضة للانصهار في أي محور، سواء كان دمشق التي تنشغل اليوم بتضميد جراحها، أو طهران التي تواجه خريف نفوذها.

إن جلاء الجغرافيا كان سهلاً لأنه يتبع قراراً سياسياً، أما جلاء العقول فهو “فعل إرادي” يتطلب شجاعة وجودية وتطهيراً من “التبعية الذهنية”، لأن السيادة لا تُستعار، بل تُبنى عندما تمتلك الدولة وحدها قرار السلم والحرب، ويكون السلاح تحت كنف الشرعية حصراً، والولاء للوطن لا للمحور.

إن “الوكلاء المحليين” الذين لا يزالون يراهنون على بقايا السطوة الإقليمية يبيعون ما تبقى من كرامة وطنية في مزادات العواصم التي لم تعد تملك لنفسها نفعاً، متناسين “الغصة” التي لا تندمل في قلوب أمهات المخفيين قسراً في سجون “تدمر” و”صيدنايا”، أولئك اللواتي كبرن على أرصفة الانتظار وهنّ البوصلة الحقيقية للسيادة، فمن لا يحمي إنسانه لا يمكنه أن يحمي وطنه.

​إن المقاومة الحقيقية في نيسان 2026 ليست عسكرية، بل هي مقاومة ثقافية ووجودية ضد “التصحير” الذي أصاب العقل اللبناني، وهي العودة إلى فكر العيش المشترك القائم على “المواطنة” لا على “المحاصصة”، في ثورة أنثروبولوجية تقتلع الخوف وتزرع الثقة بالدولة.

يا أحرار لبنان، إن نيسان 2005 كان “نهاية البداية”، أما نيسان 2026 فيجب أن يكون “بداية النهاية” لزمن الارتهانات؛ لقد رحل المحتل، ورحل نظامه، ورحلت أساطير القوة المطلقة التي خنقت بيروت لعقود، واليوم لبنان يقف وجهاً لوجه أمام مرآته، فإما أن نكون مواطنين في دولة سيدة، حرة، ومستقلة، وإما أن نبقى مجموعات “ذمية” تتصارع على فتات الموائد الدولية.

الحقيقة ولبنان توأمان، ولا استقلال دون حقيقة ناصعة كالشمس، فمتى يرحل نهج التبعية من كراسي القرار؟ ومتى يبدأ جلاء العقول؟ الجواب ليس في العواصم البعيدة، بل في تلك الإرادة اللبنانية التي ترفض أن تموت، لأن السيادة تُبنى بالوعي، والحرية تُنتزع بالعقل، ولبنان لن يكون إلا إذا آمن أبناؤه أنهم “أسياد” لا “أتباع”.

فهل تعلّمنا الدرس في 2026، أم أننا ننتظر “وصياً” جديداً لنبدأ من جديد دائرة الانتحار؟ التاريخ يراقب، والعدالة قادمة، ولبنان سيبقى وطناً للحرية وللكرامة الإنسانية الفائقة، رغماً عن كل وكلاء الخراب وأباطرة الارتهان.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top