
بقلم الدكتور طلال خواجه
أكتب هذه الكلمات من مكتب بوزار في كلية العلوم في المدينة الجامعية في المون ميشال. و بوزار جمعية ابتدعناها في ٢٠٠٤ لترميم مباني العلوم القديمة في القبة على امل تحويلها الى مركز ثقافي إنمائي يخدم المنطقة المهمشة و المناطق المجاورة, فضلا عن متابعة الحراك من أجل استكمال المدينة الجامعية في المون ميشال.
أما لماذا شكّلت كلية العلوم رافعة الحراكات من أجل الأبنية الجامعية، فتلك حكاية تعود إلى ما زرع فينا أساتذتنا عندما كنا طلابا في كلية العلوم في بيروت، و كنا محظوظين بأن نكون من مدشني مبنى الكلية في الحدث. هذا المبنى الرائع الذي سعى له و رافق بناءه، رائدنا حسن مشرفية الذي كان محاطا بكوكبة من أساتذة الزمن الجميل. و هو الزمن الذي كان فيه للعمل المدني الديمقراطي نكهة لبنانية و وطنية تكاد تكون فيها الانتماءات الطائفية و المناطقية شبه غائبة.
لن أنسى مشهد حسن مشرفية صباحا و هو يعاين تدفق الطلاب إلى المبنى الجديد و إلى جانبه أساتذتي في الرياضيات، الشيخ بديع و جلبير عاقل و ابراهيم الحاج و غيرهم من أساتذة كلية العلوم المتفانين لإعلاء شأنها، حتى أن البعض أطلق عليهم حزب كلية العلوم.
رحل كبار الكلية، حسن مشرفية و الشيخ بديع و جلبير و غيرهم من الشموع الأكاديمية و في قلوبهم غصة مما أحدثه التشتت و التمزق و التدخلات السياسية التي طالت كليتهم و الجامعة اللبنانية عموما بعد التفريع الناتج عن حرب لئيمة شطرت بيروت و الجامعة و البلد شطرين. ومؤخرًا غادرنا ابراهيم الحاج طاويا مسيرة أكاديمية و نقابية و وطنية و إنسانية عامرة بالإنجازات.
تأثرت بأساتذة كثر، ولكن لأستاذي جلبير و ابراهيم دور خاص في مسيرتي العلمية والنقابية، علما أنهما شجعاني للانخراط في تجديد و إطلاق رابطة الأساتذة المتفرغين في الجامعة اللبنانية في تسعينيات القرن الماضي. فقد كان على عاتق الرابطة مهمة استثنائية في إعادة الحياة الأكاديمية السليمة و في وقف هجرة الأساتذة، و ذلك بالعمل على تأمين حياة كريمة عبر تحسين الرواتب و إنشاء صندوق التعاضد و إحياء المجالس التمثيلية، فضلا عن تأمين مجمعات و أبنية لائقة، ساعدها في ذلك إيمان الرئيس الشهيد رفيق الحريري بدور الجامعة اللبنانية في ترميم الدولة الخارجة من عتمة الحروب، حيث أكمل ما بدأه حسن مشرفية في الحدث و دعم بقوة مشروعنا للمدينة الجامعية في المون ميشال.
حين حصلت على منحة جامعية من الجامعة اللبنانية لإنجاز دكتوراه في الرياضيات، كنت قد أنهيت DEA من جامعة باريس السادسة. و كان د.ابراهيم مديرا لكلية العلوم الفرع الاول، اجتمعت معه للاستئناس برأيه إذ كان صاحب رؤيا ثاقبة، فنصحني بمتابعة دراستي في بريطانيا لأهمية التنوع في المناهج و في اللغة، و كان لرأيه الدور الرئيسي في قراري بالإنتقال لجامعة لندن و الحصول على Phd في الرياضيات، ساعدني في الانتقال سمعة كلية العلوم التي ساهم د.ابراهيم و زملاؤه بإعلائها.
لم ينقطع التواصل مع الراحل بعد أن اخترت التدريس في الفرع الثالث، خصوصا حين يحضر د.حسن مشرفية فنلتف حوله في لقاء ودي بنكهة أكاديمية، يحضره أحيانا شخصيات مثقفة كغسان تويني، لكنني كنت محظوظا بشكل خاص حين اختارني لأكون معه في لجنة تغيير برامج الجبر في الكلية، وهو كان مشرفا على مشروع تغيير المناهج في كل الجامعة، نظرا لخبرته الواسعة و لسعة أفقه، حيث عمل على مناهج و برامج جامعات كثيرة، فضلا عن أنه كان وراء تأسيس الكثير من الاختصاصات في كلية العلوم، فدكتور ابراهيم امتلك طاقة لا تنضب و امتاز بنشاط لا يهدأ و بحضور آسر.
شكلت اجتماعات اللجنة دافعا كبيرا للمعرفة و للإنتاج لنكون على مستوى المهمة، -خصوصًا- أننا أردنا الإستفادة القصوى من العمل مع شخصية أكاديمية و إدارية من عيار ابراهيم الحاج. لذا وجدت نفسي منكبا بموازاة إنجاز المهمة على وضع ثلاث مخطوطات للتدريس في الرياضيات تتناسب مع المناهج الجديدة و بتشجيع من الراحل.
غادرنا ابراهيم الحاج جسدا و لكنه لم يغادرنا أثرا، حيث أن إرثه مزروع في الجامعة و في الوطن.
