
بقلم الياس عيسى الياس
يأتي عيد العمال ليذكرنا بأن الجهد البشري ليس مجرد ‘وظيفة’، بل هو قيمة أخلاقية جسدها جبران خليل جبران في قوله: ‘العمل هو الحب مَجسداً’. فالحياة تضيق بمن يعمل على مضض أو ضجر، والأولى بهؤلاء أن يتركوا الميادين لأصحاب النفوس الراضية، ويجلسوا على حواف الطرقات يلتمسون الصدقة ممن أدركوا أن العمل في جوهره هو صلاة الروح في محراب المادة.
بهذه الروح، يُعد الأول من أيار أكثر من مجرد عطلة رسمية؛ إنه ذكرى لمعارك خاضتها الطبقة العاملة لتغيير وجه العالم، فخلف الساعات الثماني التي نعتبرها اليوم حقاً بديهياً، تكمن تضحيات جسيمة ودماء سُفكت في سبيل لقمة عيش كريمة.
انطلقت الشرارة من شيكاغو عام 1886، لتطالب بحق الإنسان في وقت للنوم ووقت للراحة ووقت للعمل، ورغم رصاص الغدر، أثمرت تلك الدماء اعترافاً دولياً عام 1889، ليصبح هذا اليوم رمزاً يوحد القلوب المتعبة، مؤكداً أن اليد التي تعمل هي اليد التي لا تمدّ كفها للذل. إن شرف العمل هو القيمة الحقيقية مهما صغر شأنه، وهو ما أكده المناضل مارتن لوثر كينج في اقتباس خالد، حيث قال:
“إذا قُدّر للمرء أن يكون ماسحاً للشوارع، فعليه أن يمسح الشوارع كما كان ميكيلانجيلو يرسم اللوحات، أو بيتهوفن يؤلف الموسيقى، أو شكسبير يكتب الشعر؛ عليه أن يمسح الشوارع بعناية وإتقان يجعلان كل سكان السماء والأرض يتوقفون ويقولون: هنا عاش ماسح شوارع عظيم أدى عمله ببراعة”.
لكن المأساة في لبنان اليوم لم تعد مجرد معركة لتحسين شروط العمل أو تقليص ساعاته، بل تحولت إلى صراع مرير للحفاظ على “معنى العمل” نفسه وقيمته الأخلاقية. فالأزمة التي هزت أركان البلاد لم تترك للناس ستراً ولا عافية، وحولت عيد العمال من احتفال بالكرامة إلى وقوف على أطلالها.
الضربة القاضية جاءت من تبخر الليرة التي كانت “مخبوءة لليوم الأسود”، فإذ بالرواتب التي كانت تفتح البيوت، تصبح ريشاً في مهب التضخم، لا تكفي لسدّ جوع الأطفال أو تأمين كلفة المواصلات إلى العمل نفسه. هذا الشرخ الذي ميز بين من يحصد الدولار ومن يغرق في بحر العملة الوطنية المنهارة، جعل العامل اللبناني يركض في مكانه، يبذل جهداً مضاعفاً ليحصل على أقل من القليل.
وتتعمق الغصة مع ضياع “شقا العمر” في غياهب الضمان الاجتماعي؛ فالعامل الذي قضى حياته ينحت في الصخر ليؤمن شيبته، يجد تعويضه اليوم لا يشتري دواءً، وكأن لسان حاله يقول: “خبزنا صار عند غيرنا”. أما الشباب الذين هم “عمدان الدار”، فقد وجدوا أنفسهم بين مطرقة البطالة وسندان الهجرة، يرحلون والدمعة في عيونهم، يتركون الأرض التي جُبلت بعرق أجدادهم لأنها ضاقت بأحلامهم.
ثم جاءت الحرب لتُطبق الخناق على ما تبقى من رمق، فصادرت أرزاق الناس في الجنوب والبقاع والضاحية، وحولت شقا العمر في الحقول والمصانع إلى ركامٍ وصمت. وفي هذا النزوح المرّ، وجد العامل نفسه غريباً في أرضه، يطارده “العمل غير المنظم” كقدرٍ لا بديل عنه؛ ذاك الهامش الموحش الذي لا يحميه قانون ولا تسنده نقابة، حيث يُترك الإنسان وحيداً يواجه استغلالاً يمتص عافية العروق مقابل دراهم زهيدة لا تدفع جوعاً ولا تبني سقفاً.
لقد صار الكدح في زمن الحرب “نحتاً في رمل”، تبدده ريح الأزمات قبل أن يثمر.
إن عيد العمال في لبنان اليوم ليس مجرد “صبحية” لتبادل المعايدات والكلمات المنمقة، بل هو صرخة في وجه الفساد الذي نخر عظم الدولة ومؤسساتها، ومرافعةٌ كبرى لتصحيح الأجور لكي يستعيد الرغيف طعم الكرامة لا طعم الاستعطاء.
فالعمل، كما علمتنا حكايات الأجداد وأحاديث القرى، هو “صلاة الأيادي” التي لا تعرف الانحناء، والوطن الذي لا يكرم شغيلته هو بيتٌ بلا سياج. والنهضة التي ننتظرها لن تعبر إلا فوق أكتاف الذين لا يزالون يقدسون لقمة “الحلال” ويؤمنون بأن اليد الخشنة هي وحدها القادرة على بناء الغد.
وفي الختام، يبقى هذا اليوم تذكيراً بأن اليد التي تبني هي اليد التي تملك المستقبل، بعيداً عن صخب الشعارات؛ فوحدها تلك الأيدي المتعبة، المليئة بالشقوق والسمرة، هي التي ما زالت تُبقي هذا الوطن واقفاً على قدميه، ولو على عكاز الرجاء.
