بقلم جوزاف وهبه

بالأمس القريب، “أبو عمر” (الميكانيكي العكّاري البسيط) كاد يشبه – في وعوده الورديّة الساحرة والمثيرة – ما كان يلعبه من أدوار في الساحة اللبنانيّة كلّ من أبو يعرب ورستم غزالي السيّئي الصيت والمصير. طبعاً هو يتّكئ في لعبته، بالتكافل والتضامن مع الشيخ خلدون عريمط، هلى هشاشة البنية السياسيّة اللبنانيّة التي طالما صنع “الخارج” وجوهها ونوّابها ووزراءها، وحتّى رؤساءها، طوال التاريخ اللبناني القديم والحديث، وهي لم تكن في يوم من الأيّام “صناعة وطنيّة” (على حدّ تعبير الشهيد الراحل بيار الجميّل): فالوعود والمكرمات من الخارج (حسب صاحب النفوذ في كلّ مرحلة من المراحل)، ونحن قوم ليّنون مطواعون، بما فيه الكفاية.

في صلب هذه المعادلة الغير نموذجيّة، صال وجال “أبو عمر”، وكاد يُدخِل متموّلين طارئين إلى البرلمان، ويوصل رؤساء حكومة إلى السراي الكبير، كما جاء في سياق الهجمة المرتدّة على وصول الرئيس نوّاف سلام – من خارج الطبقة السياسيّة التقليديّة – إلى السراي الكبير.. كما كاد يعبر الحدود في “مصالحات وهميّة” ما بين وجوه الممانعة الخارجين على ماضيهم وأصحاب القرار الجدد في المحيط العربي، على أثر تبدّل موازين القوى والنفوذ:تُرى، كيف غاب، لسنوات عدّة، عن عيون السفارات المعنيّة والأجهزة الأمنيّة المختصّة!؟

اليوم، يتكرّر السيناريو المعيب مع “الضابط العراقي” المهيب الوافد من بسطة عصير وفاكهة، إلى المكاتب الوثيرة لكبار القادة الأمنيّين:هو في المساء بائع جوّال.. وفي النهار ضيف مرحّب به برتبة مسؤول أمن السفارة العراقيّة في بيروت.وتقول المعلومات المتداولة أنّ المواطن العراقي طارق الحسيني المتزوّج من سيّدة لبنانيّة قد نجح في بناء شبكة علاقات مع مسؤولين أمنيّين وسياسيّين (من رتبة مدير عام أمني رفيع..)، ما جعله شخصاً مرموقاً، كلمته مسموعة ومكانته محفوظة في المقاعد الأماميّة، دون أن يرفّ جفن أو حسّ أمني لهؤلاء القادة، إلى أن كشف المستور موظف دبلوماسيّ في السفارة المعنيّة: تُرى، كيف يمكن لرجل عاديّ أن يتجاوز كلّ الخطوط الحمر والصفر، ويتحوّل ببساطة شديدة إلى شخصيّة بارزة تُفتح لها الأبواب والنوافذ، وربّما أسرار القلوب!؟..

في لبنان طبقة من المسؤولين لا تكفّ عن إثارة العجب والعجايب، كما في حكايا “ألف ليلة وليلة”، أو في قصّة “أليس في بلد العجائب” للكاتب لويس كارول.حقّاً، نحن في بلد العجائب. وإلّا كيف نفسّر حالة الأخوين سعادة (تيدي وريمون) مثلاً؟ هو، في وقت واحد، هما أصحاب نفوذ يمتدّ من فرنسا إلى لبنان. وقد دفع الرئيس الفرنسي ماكرون بتوزير أحدهما في أكثر من حكومة، علماً بأنّ اسميهما قد ارتبطا بسلسلة من النزاعات القضائيّة التي تراوحت بين الخلافات التجاريّة والإتّهامات المالية، وأبرزها قضيّة “الفيول المغشوش”، إضافة إلى تبييض الأموال. وها هما يحلّان في لبنان كمستثمرين كبيرين، من شراء شركات فتّال الضخمة بمبلغ نصف مليار دولار أميركي، إلى المشاركة في مناقصة إستثمار مطار رينه معوّض – القليعات عكّار!
أو كيف نفسّر هروب رجل الأعمال العالمي كارلوس غصن من اليابان إلى بيروت في “حقيبة ثياب كبيرة” كما في أفلام هوليوود وجيمس بوند، ولجوءه إلى البلد/الأم برعاية رسميّة (آنذاك) بالرغم من ملاحقته من قبل السلطات اليابانيّة بتهمة “عدم الإفصاح الكامل عن الدخل – التصريح بمرتب أقلّ”، علماً بأنّه من أصحاب الملايين!..

والعجائب في هذا البلد الصغير لا تقتصر على أبو عمر أو الضابط العراقي المزيّف أو الثنائي صحناوي – غصن، بل تمتدّ عميقاً في الجذور السياسيّة كما في السلوك المتناقض لحزب الله: من جهة يتسبّب بتهجير مليون مواطن جنوبي من بوّابة “جهاد النزوح” متجاوزاً أصل وجود الدولة في قرار السلم والحرب، ومن جهة أخرى (وبكلّ وقاحة..) يطالب هذه الدولة بتوفير مستلزمات هذا النزوح الكثيف، وإلّا فهي مقصّرة بحقّ شعبها، وبحقّ الطائفة، وبحقّ المقاومة “غير الشرعيّة”!..

يقدّم الحزب خطاباً سورياليّاً قاتلاً، يشبه إلى حدّ بعيد حكاية “أبو عمر وصحبه” أو رواية “طارق الحسيني وضبّاطه”، مع الفارق الكبير في الأذى الذي لحق هنا بطائفة بكاملها وبوطن بأكمله، وهناك بصورة السلطة بأشخاصها المدنيّين وغير المدنيّين.

لبنان لا يكفّ عن الدهشة.كلّ ليلة قصّة ترويها شهرزاد..كلّ ليلة جدّة على شاكلة حكاية “ليلى والذئب”.والحبل على الجرّار، بانتظار “أبو عمر” جديد!

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top