تصعيد إسرائيلي وإخلاء شمال الليطاني والبقاع الغربي: هل تصمد مفاوضات التهدئة في لبنان؟

بقلم ندى جوني

في ظلّ الهدنة الهشّة الممتدة حتى 17 أيار 2026 بين لبنان وإسرائيل، يتصاعد المشهد تعقيداً مع استمرار القصف والتدمير في جنوب لبنان والبقاع الغربي، بالتزامن مع إخلاء قرى عديدة شمال الليطاني. وبين ما يتجه الوفد اللبناني إلى واشنطن لإجراء مفاوضات مباشرة، تحاول إيران ربط جبهة لبنان بمسار التفاوض مع الولايات المتحدة، في مقابل سعي أميركي ولبناني لفصل المسارين.

وفي ظلّ هذا التناقض بين التصعيد العسكري والحراك الدبلوماسي، تبرز تساؤلات حول ما إذا كانت إسرائيل تتجه لفرض واقع أمني جديد يعزل الجنوب عن الداخل اللبناني لفترات طويلة، أو أنّ المرحلة المقبلة قد تحمل تصعيداً أوسع يطال مناطق لبنانية إضافية وتحديداً العاصمة بيروت، في حال فشل المسارات السياسية.

سمير سكاف: لا هدنة في لبنان والمساران اللبناني والإيراني منفصلان بالكامل

اعتبر الكاتب والخبير في الشؤون الدولية سمير سكاف أنّه لا يمكن الحديث اليوم عن وقف فعلي لإطلاق النار في لبنان، مؤكداً أنّ ما يجري على الجبهة اللبنانية الإسرائيلية منفصل بالكامل عن مسار المفاوضات الأميركية الإيرانية.

وأوضح أنّ إسرائيل تنظر إلى الملف اللبناني كملف أمني بحت، وليس جزءاً من التفاوض الدبلوماسي مع إيران، حتى لو حاولت طهران ربط المسارين أو اعتقد البعض أنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب قادر على فرض ذلك.

وأشار سكاف إلى أنّ العمليات العسكرية الإسرائيلية مستمرة بوتيرة متفاوتة، لافتاً إلى أنّ الهدوء النسبي يقتصر على الضاحية الجنوبية في بيروت، وبعض مناطق البقاع الشمالي، في ما يتعرض جنوب لبنان لغارات مكثفة وعمليات تدمير واسعة، إضافة إلى استهداف قرى في البقاع الغربي.

ورأى أنّ إسرائيل تعمل على فرض الخط الأصفر كأمر واقع جديد، معتبراً أنّها لن تنسحب من المناطق التي تحتلها، والتي تقدّر بنحو 6 إلى 8% من مساحة لبنان، إلا في حال توقيع اتفاق سلام مع لبنان، وهو أمر تربطه أيضاً بنزع سلاح “حزب الله”.

وأضاف أنّ إسرائيل تعتبر أنّ أي سلام لن يتحقق قبل استسلام “حزب الله” عسكرياً. ولذلك فإنّ كل المؤشرات الحالية لا توحي بقرب وقف الحرب أو الوصول إلى تسوية.

كما شدد على أنّ المظلة الأميركية ما تزال تؤمن حماية لبعض البنى التحتية اللبنانية، وعلى رأسها مطار رفيق الحريري الدولي، إلا أنّ ذلك لا يعني وقف الحرب، إذ إنّ الجنوب اللبناني، بحسب تعبيره، سيبقى عرضة للتدمير الإسرائيلي، كما أنّ إعادة الإعمار لن تبدأ قبل سنوات طويلة.

وفي ما يتعلق بالمفاوضات الأميركية الإيرانية، رأى سكاف أنّها لن تصل بسهولة إلى نتائج حاسمة، لأنّ واشنطن تسعى، بحسب وصفه، إلى استسلام نووي إيراني، من خلال وضع اليد على مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 60%.

في المقابل، أكد بدوره أنّ الملف اللبناني لا يشكل ورقة ضغط فعلية في هذه المفاوضات، مستشهداً باستمرار التصعيد في الجنوب اللبناني بالتزامن مع استمرار قنوات التفاوض بين واشنطن وطهران.

وختم بالتأكيد أنّ الأفق السياسي لا يزال مسدوداً، لأنّ الجميع، سواء في إسرائيل أو الولايات المتحدة أو الدولة اللبنانية، يدرك أنّ “حزب الله” لن يوافق على تسليم سلاحه، كما أنّ السلطة اللبنانية لا تريد الانزلاق إلى مواجهة داخلية بين الجيش اللبناني و”حزب الله”. لذلك، تبقى كل السيناريوهات مفتوحة، من توسيع المنطقة العازلة جنوباً حتى الليطاني، وصولاً إلى احتمال توسع العمليات العسكرية نحو الضاحية الجنوبية وبيروت والبقاع الشمالي، معتبراً أنّ الحرب على لبنان لن تتوقف الآن، وكل الاحتمالات ما تزال قائمة.

ناجي الملاعب: إسرائيل تسعى لعزل الجنوب عن البقاع وفرض واقع أمني جديد

من جهته، رأى الخبير العسكري العميد ناجي الملاعب أنّ ما يجري في جنوب لبنان والبقاع الغربي لا يمكن قراءته فقط في إطار العمليات العسكرية التقليدية، بل ضمن مقاربة جيوسياسية تهدف إلى توظيف جغرافية المنطقة لخدمة الأهداف السياسية والأمنية الإسرائيلية.

وأوضح أنّ الحديث الإسرائيلي عن الخط الأصفر الممتد من الناقورة حتى جبل الشيخ يعكس محاولة لفرض واقع جديد يتجاوز حدود القرار 1701، الذي يقتصر أساساً على الجنوب اللبناني ولا يشمل البقاع الغربي.

وأشار الملاعب إلى أنّ استهداف البقاع الغربي وقطع الجسور، وخصوصاً على نهر الليطاني، يهدف إلى تفريغ المنطقة والتحكم بحركة السكان وعودتهم، إضافة إلى فصل الجنوب عن البقاع جغرافياً ولوجستياً.

ولفت إلى أنّ التركيز على القرى ذات البيئة الشيعية يحمل رسالة ضغط مباشرة على “حزب الله” وبيئته الحاضنة، موضحاً أنّ إسرائيل تعتبر هذه المنطقة خزاناً بشرياً ولوجستياً للحزب، خصوصاً أنّ خطوط الإمداد والأسلحة التي كانت تأتي من سوريا في عهد نظام الأسد تمر عبر البقاع بإتجاه الجنوب.

وفي ما يتعلق بالمشهد العسكري، اعتبر الملاعب أنّ تصريحات رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير بعدم الاعتراف بأي هدنة في الجنوب اللبناني تعكس توجهاً إسرائيلياً واضحاً لاستمرار العمليات العسكرية.

وأضاف أنّ استمرار إطلاق المسيّرات والصواريخ من جانب “حزب الله”، رغم محدودية تأثيرها الميداني، يضعف الموقف الدبلوماسي اللبناني، لأنّ إسرائيل تستفيد من ذلك لتقديم نفسها أمام المجتمع الدولي كطرف يتعرض للاعتداء، مستشهداً ببيان الاتحاد الأوروبي الذي استنكر هجمات الحزب على إسرائيل.

وأكد أنّ لبنان كان يحتاج إلى التمسك الكامل بوقف إطلاق النار لتعزيز موقعه التفاوضي في واشنطن، إلا أنّ استمرار المواجهة العسكرية يضعف قدرة الدبلوماسية اللبنانية على الضغط أو تحقيق مكاسب سياسية. كما رأى أنّ إيران، من خلال مطالبتها بوقف شامل لإطلاق النار على كل الجبهات، تعيد ربط الساحة اللبنانية بالمفاوضات الإقليمية، بعدما حاولت الولايات المتحدة ولبنان فصل الملف اللبناني عن المواجهة الإيرانية الإسرائيلية.

وأضاف الملاعب أنّ هذا الربط يمنح إسرائيل مبررات إضافية للاستمرار في احتلال أجزاء من الجنوب اللبناني أو توسيع عملياتها البرية تحت ذريعة منع إعادة تموضع “حزب الله” على الحدود.

واعتبر أنّ قرار وقف القتال لم يعد بيد الحزب وحده، بل يرتبط بشكل أساسي بالموقف الإيراني، الذي يسعى إلى الحفاظ على جهوزية “حزب الله” كورقة إقليمية قابلة للاستخدام لاحقاً.

أما بشأن اغتيال الكوادر الميدانية في “حزب الله”، فرأى الملاعب أنّ تأثيرها العملياتي محدود، لأنها تمنح الجيش الإسرائيلي مكاسب معنوية واستخباراتية أكثر مما تغيّر في بنية الحزب القتالية.

وأشار إلى أنّ حزب الله يعتمد نموذجاً لامركزياً في إدارة المعارك، حيث لا يرتبط المقاتلون ميدانياً مباشرة بالقادة الذين يتم اغتيالهم، بل يمتلكون الأوامر والأسلحة وآليات العمل المسبق.

وأضاف أنّ الحزب، بتأثير من النموذج الإيراني، يعتمد نظام البدائل القيادية، بحيث يوجد لكل قائد أكثر من بديل جاهز، ما يسمح باستمرار العمليات رغم الاستهدافات.

وختم ملاعب بالتأكيد أنّ طبيعة الحروب تغيّرت جذرياً، إذ لم تعد تعتمد فقط على الجيوش التقليدية أو البنية العسكرية الكلاسيكية، بل على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة، معتبراً أنّ القدرة على تشغيل التكنولوجيا القتالية باتت أهم من القوة البشرية التقليدية في ساحات القتال الحديثة.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top