طرابلس تُترك فريسة للخوف: الكلاب الشاردة نموذج فاضح لانهيار المسؤولية

بقلم غنوى أبو ضاهر

لم تعد ظاهرة الكلاب الشاردة في مدينة طرابلس مسألة ثانوية أو تفصيلًا يمكن التغاضي عنه، بل تحوّلت إلى خطر يومي يهدد أمن الناس وسلامتهم الجسدية والنفسية، في مدينة أنهكها الإهمال حتى بات المواطن فيها مكشوفًا أمام أبسط أشكال الخطر.

المشهد في الشوارع بات مألوفًا حدّ الصدمة: مجموعات من الكلاب تجوب الأحياء السكنية، تلاحق المارة، وتبث الخوف في نفوس الأطفال وكبار السن، وسط غياب شبه كامل لأي تدخل رسمي فعلي.

الخطر لا يقتصر على حوادث العقر التي تتكرر بصمت، بل يمتد إلى حالة رعب دائمة يعيشها المواطن، حيث يصبح المشي ليلًا أو عبور الشارع أو ترك طفل أمام المنزل مخاطرة غير محسوبة. هذا الواقع يطرح سؤالًا بديهيًا: كيف يمكن لمدينة أن تؤمّن أبسط مقومات الحياة، فيما يعجز سكانها عن السير بأمان في شوارعهم؟ إن استمرار هذا الوضع لا يعكس خللًا إداريًا فحسب، بل استخفافًا واضحًا بحياة الناس وكرامتهم.

الأكثر فداحة أن هذه الأزمة ليست وليدة الصدفة، بل نتيجة مباشرة لتراكم التقصير الرسمي. بلدية عاجزة أو غير مبالية، وزارات معنية غائبة عن المشهد، وخطط تُستحضر فقط عند وقوع الكارثة ثم تُركن جانبًا. لا إحصاءات دقيقة، لا برامج تعقيم مستدامة، ولا مراكز إيواء منظمة، فيما تُترك المدينة رهينة فوضى تتفاقم يومًا بعد يوم.

هذا الفراغ يدفع بعض المواطنين إلى تصرفات فردية يائسة، في ظل شعورهم بأن الدولة تخلّت عنهم بالكامل.

الدفاع عن حقوق الحيوان لا يمكن أن يكون شماعة لتبرير هذا الإهمال. إنسان طرابلس ليس أقل شأنًا من أي خطاب إنساني أو بيئي، وحقه في الأمان غير قابل للمساومة أو التأجيل. المقاربة التي تتجاهل خطر الكلاب الشاردة على البشر، بحجة الرفق بالحيوان، هي مقاربة ناقصة ومضللة، لأنها تضع الإنسان في موقع الضحية الصامتة، وتمنح الفشل الرسمي غطاءً أخلاقيًا زائفًا.

في المقابل، فإن الحلول معروفة وواضحة، لكنها تصطدم بغياب الإرادة. المطلوب إجراءات فورية وحاسمة، تبدأ بإبعاد الكلاب الخطِرة عن المناطق السكنية، وتطبيق برامج تعقيم فعالة للحد من التكاثر العشوائي، وإنشاء مراكز إيواء بإشراف رسمي لا مبادرات موسمية، إلى جانب محاسبة الجهات المقصّرة بدل الاكتفاء بالبيانات. هذه الخطوات ليست ترفًا، بل واجبًا بديهيًا لأي سلطة تحترم مواطنيها.

ما تعيشه طرابلس اليوم هو اختبار حقيقي لمعنى الدولة ودورها. مدينة تُترك بلا حماية، ويُطلب من أهلها التعايش مع الخوف كأمر واقع، هي مدينة يُمارس بحقها ظلم مضاعف. فحين تفشل السلطة في حماية الإنسان في الشارع، تكون قد سقطت في أهم امتحان لها، وسلّمت مواطنيها لقدر لا يستحقونه.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top