
بقلم الياس عسيى الياس
من بيروت، التي ينام أهلها على أزمة ويستيقظون على عاصفة، اعتدنا أن نترقب شؤون الدنيا من فوق هذا الركام اللبناني العتيق. واليوم، تتجه الأنظار شاخصةً نحو بكين؛ حيث تُعقد قمة مصيرية بدأت في السادس عشر من مايو الجاري وتختتم أعمالها اليوم، الثامن عشر منه، في دهاليز تذوب فيها مصائر الأمم.
قمة تجمع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنظيره الصيني شي جين بينغ، وجهاً لوجه، لا لتبادل الابتسامات الدبلوماسية الباردة، بل ليرسما معاً بالخطوط العريضة حدود حرب باردة جديدة قد تطول أو تقصر.
ومن وحي هذا المشهد الساخن في الشرق الأقصى، طالعتنا مراجعة فكريةفي غاية الأهمية والجرأة سطرها الكاتب “روس دوثات” في صحيفة “نيويورك تايمز”؛ وهي قراءة باردة، تخلو من الهوى والمجاملة، تفرض على كل المراهنين في منطقتنا العربية وخارجها أن يعيدوا ضبط حساباتهم جيداً.
فالصين بلد عظيم، هكذا كان وهكذا سيبقى، ولا ينازع في عظمة شعبه وتاريخه إلا جاهل بألف باء السياسة؛ لكن قيادة الكوكب، يا سادة، وإزاحة إمبراطورية راسخة، أمر أعقد بكثير من حسابات الدفاتر التجارية وحجم الصادرات؛ إنه يرتبط في المقام الأول بسر الحياة ونواميسها، وبقدرة المجتمع الحية على أن يجدد دماءه من الداخل قبل أن تيبس عروقه.
هناك رقم واحد يستدعيه دوثات في تشريحه للمجتمع الصيني، وهو كفيل بأن يقض مضاجع القيادة في بكين؛ معدل الخصوبة في الصين هبط إلى طفل واحد لكل امرأة.
هذا الرقم المخيف يعني ببساطة نصف ما تحتاجه أي أمة لمجرد الحفاظ على عدد سكانها الحالي دون نقصان.
والأدهى من ذلك أن ثلث الشباب الصيني، في الفئة العمرية بين 18 و24 عاماً، يعلنون صراحة أنهم لا يفكرون في الإنجاب أبداً، بينما لم تكن هذه النسبة تتجاوز خمسة في المئة قبل عقد واحد.
وهنا الفجوة الحقيقية؛ فالشباب الذين يعزفون عن بناء الأسر هم جيل فقدالثقة بالغد، وحين تفتقد دولة تطمح للسيادة العالمية هذا الأمل الوجودي فيعيون شبابها، فإن كل تطلعاتها السياسية تصبح كالبالون؛ يبدو ضخماً منالخارج، لكنه ينكمش صامتاً أمام أول منعطف ديموغرافي حاد.
والمفارقة أن هذا التراجع الكارثي يضرب في قلب الخطط الرسمية؛ إذ كان من المفترض أن يؤدي إنهاء سياسة الطفل الواحد في عام 2016 إلى ضخ دماء جديدة في شرايين البلاد، لكن النتائج جاءت عكسية تماماً.
هذا العقم البشري يمتد ليصبح عقماً استراتيجياً يفسر تعثر مشروع”الحزام والطريق”، تلك المبادرة المليارية الضخمة التي أطلقتها بكين بهدف ربط آسيا بأوروبا وإفريقيا عبر شبكات برية وبحرية من الموانئ والسكك الحديدية لتهيئة البنية التحتية لهيمنتها التجارية.
لقد تعثر المشروع في بلد بعد بلد، وتحولت القروض السخية إلى فخاخ ديون تخنق الشركاء بدل أن تنفعهم. أضف إلى ذلك غياب القوة الناعمة ومعضلةالجاذبية الثقافية؛ فمن منا في بيروت يسهر على فيلم صيني، أو يسمع في مقاهي شارع الحمرا والجميزة ألحاناً قادمة من بكين، أو يناقش في صالوناته الأدبية فلسفة صينية معاصرة؟ القوة العارية من الروح والجاذبية تظل عاجزة عن قيادة وجدان العالم، مهما بلغت ميزانياتها الاستثمارية.
بالتأكيد، لا يتردد دوثات في جلد سياسات بلاده، معترفاً بأن الولايات المتحدة ارتكبت خطايا استراتيجية كافية لإسقاط إمبراطوريات؛ تورطت في حروب عبثية، وقدمت للعالم إدارات تراوحت بين التخبط والغطرسة الفجة.
لكن، وبكل موضوعية، تظل أمريكا هي تلك البلاد الحية والديناميكية التي يحلم نوابغ العالم بالهجرة إليها، لا الهرب منها. هذا المجتمع المفتوح يملك قدرة غريبة على ابتكار نفسه واستقطاب العقول، وهو ما تفتقده الأنظمةالشمولية المغلقة مهما بلغت صرامتها.
والأرقام الاقتصادية الراهنة تؤكد هذا المنحى بصورة لا تقبل اللبس؛ فبينما كانت التوقعات القديمة تجزم بأن الصين ستزيح أمريكا عن عرش الاقتصادالعالمي بحلول عام 2028 أو 2030، تبيّن أن تلك النبوءات تبخرت.
الاقتصاد الأمريكي استعاد عافيته ونموه بسرعة، في حين بدأت العجلات الصينية تتباطأ، وبدلاً من أن يقترب التنين من اللحاق بـ “العم سام”، اتسعت المسافة بينهما من جديد، ليتحول حلم الهيمنة الاقتصادية الصينية الحتمية إلى مجرد وهم تذروه الرياح.
المسألة لا تتعلق بالشماتة بآسيا، ولا بالتزلف للبيت الأبيض، بل هي قراءة براغماتية تؤكد أن نافذة الفرصة الصينية تضيق بسرعة. والسؤال المؤرق الذي يطرحه مقال دوثات على غرف القرار في هذه اللحظة الراهنة هو: هليدرك الزعماء في بكين، وفي مقدمهم الرئيس شي جين بينغ، هذه الحقائق الديموغرافية؟
يرى الكاتب أن الوهم هنا قد يكون مفيداً؛ فإذا كان قادة بكين يصدقون دعايتهم الخاصة بأن أمريكا تنهار وتتراجع، فقد يقررون ببساطة الانتظار وعدم المغامرة بغزو تايوان، ظناً منهم أن الزمن يعمل لصالحهم. هذا التردد والانتظار هو الضامن الحقيقي للسلام؛ لأن بكين ستستيقظ بعد سنوات لتكتشف أن قطار القوة قد فاتها، وأن مجتمعها شاخ ولم يعد يملك الطاقة البشرية لخوض مغامرة عسكرية.
أما إذا كانوا يعلمون أن ذروة قوتهم هي “الآن” وأن وقتهم يضيق، فعلى العالم، ونحن في الشرق الأوسط لسنا بعيدين عن الشرر ، أن يستعد لمغامرات غير محسوبة قبل أن يحل الخريف الحتمي بجسد التنين. إنها البصيرة السياسية التي تؤكد في النهاية أن الديموغرافيا قد تحسم ما تعجز عنه حاملات الطائرات.
