
بقلم جوزاف وهبه
لم يعد الوقت يتّسع للتفكير البطيء والإنتظار الطويل.لم يعد التهديد الإسرائيلي مجرّد مشروع من مشاريع العدوّ أو مجرّد تمنّيات صهيونيّة تصطدم ب “توازن الرعب” الذي تحدّثت عنه طويلاً مخيّلة الأمين العام الراحل لحزب الله حسن نصرالله، والذي طالما “أدهشتنا” خطبه الفضفاضة المثيرة..العدو على الأبواب، وليس أبواب شبعا وكفرشوبا، وإنّما أبواب مدينة صور التاريخيّة والنبطيّة العاصمة الثانية للجنوب الصامد والصامت. العدو، يا سادة، في قلعة الشقيف بعد 26 سنة من التحرير.
آلة التوحّش والقتل الإسرائيليين لا حدود لها ولا ضوابط أميركيّة أو غير أميركيّة.لا تفرّق بين رجل وامرأة وطفل.جميعنا على حدّ السكّين، تقطعنا إرباً إرباً بعيون مفتوحة على عجز الداخل وتجاهل الخارج. الربط، الذي يتغنّى به محمود قمّاطي وحسن فضل الله وباقي عتاة الممانعة، بمضيق هرمز أو بورقة التفاوض الإيرانيّة لا يكفي للشفاعة بنا. نحن نُقتل كلّ يوم بدم بارد، دون أن يرفّ جفن في طهران، ودون أن ترتفع ولو حنجرة في ما يُسمّى وحدة الساحات التي غابت مع غياب “مهندسها” قاسم سليماني. هنا وهناك بعض الأصوات العبثيّة، وبعض الأقلام على صفحات جريدة “الأخبار” لا تزال وحدها تحكي عن بطولات وصمود وجهاد النزوح والتضحية بالأولاد والأرض وجنى العمر “فدى” تارةً غزّة المندثرة، وطوراً الإمام المغيّب الذي لم يأتِ بعد، أو ممثّله في هذه الدنيا الذي لم يُدفن بعد!
صور، بالأمس، وجّهت نداءها الأوّل: أنقذوا أولادنا، أنقذوا بيوتنا وأرضنا، تاريخنا وآثارنا الغارقة في الزمن الماضي. لا نريد أن نموت لأجل قضيّة لا تخصّنا بشيء. لا نريد أن نتحوّل إلى نازحين في خيمة زرقاء أو حمراء في البيال أو الواجهة البحريّة أو المدينة الرياضيّة. الكرامة والعزّة والبطولة هي في أن نبقى تحت سقوف ديارنا. السلاح ليس أعزّ من أرزاقنا وفلذات أكبادنا. فلتكن صور مدينة مفتوحةً منزوعة السلاح…هل مَن يستمع إلى هذا النداء الجارح؟
لم تتردّد النبطيّة في الإنضمام إلى صور. أهاليها سارعوا إلى إطلاق النداء الثاني: لا للسلاح.لا للحرب..نعم لقلعة الشقيف محطّة للسياحة والإزدهار، وليس ساحة للقتال والدم والسقوط في قبضة العدو… هل مَن يقرأ جيّداً في معاني هذا النداء النازف؟
وإذا كان هناك مَن لا يريد أن يقرأ أو يستمع في صفوف قيادات حزب الله، فالسؤال الأكبر (وليس الجهاد الأكبر) هو: أين أنت يا نبيه برّي؟
من مفارقات التوازنات والمعادلات أنّ الحلّ السريع وشبه الوحيد في المرحلة الراهنة يكمن في يد الرئيس برّي: يبادر.. أو لا يبادر؟ ينحاز إلى صوت الناس أو يبقى أسير “الثنائيّة الشيعيّة” الضيّقة؟ يمدّ يده إلى الدولة ممثّلة برئيسيّ الجمهوريّة والحكومة أو يلزم دوره كمدافع عن السلاح وكشاهد على حروب الآخرين التي يقوم بها الحزب؟ يستمع إلى مدينته المحبّبة صور أو يتركها فريسة قتال غير متكافئ وموت غير مجدِ سوى في حسابات طهران؟ يلبّي صرخة النبطيّة وقلعة الشقيف أو يستمرّ في نوع من العناد غير المفهوم وغير المبرّر، وكأنّه لا يزال عشيّة 6 شباط أو صباح 7 أيار الأسود؟
لم يعد نبيه برّي مجرّد لاعب “مهضوم دون شكّ” في ساحة النجمة، ليس إلّا. كما لم يعد ذاك الجليس في عين التينة الذي يحجّ إليه الموفدون والشخصيّات (وأبرزهم وليد جنبلاط) بحثاً عن وسيط “معتدل وعاقل” في مواجهة تطرّف وجنون الحزب المسلّح.. اليوم، ما هو مطلوب من نبيه برّي أبعد وأخطر من ذلك بكثير. المطلوب “قطيعة” علنيّة دون كفوف أو التباس مع مغامرات الطرف الثاني في الثنائيّة الشيعيّة. المطلوب نزع الشرعيّة الوطنيّة عن السلاح المقاوم. المطلوب قيادة الإنتفاضة (السلميّة) التي أعلنها نداءا أهالي صور والنبطيّة… والإدّعاء بأنّ تواقيع هذين النداءين لا تمثّل كلّ الرأي العام إنّما هو مشاركة(بالجرم المشهود) في المذبحة الآتية دون أدنى شكّ. والمذبحة الآتية، إذا لم ينتفض برّي (اليوم اليوم وليس غداً) ستسجّل في قائمة خطاياه التي لا تُغتفر… وستمحو كلّ ما فعلته يداه من أجل النهوض بالجنوب طوال نصف قرن من الزمن!
العدو على أبواب صور والنبطيّة، يا دولة الرئيس. وأنت تدري ما معنى سقوطهما (وسيسقطان، وفق تقارير الميدان الذي تباهى بقواعده نصرالله من قبل، ويتباهى بنتائجه راهناً الشيخ نعيم قاسم..)، بما يحمله من نزوح عشرات الآلاف من الجنوبيين إلى خيم الذلّ والخوف والأنين الصامت.
العدو على الأبواب، وعليك دولة الرئيس أن تختار ما بين انتمائك لجبل عامل وبين شراكتك مع الحزب. أن تختار بين بقاء الجنوبي في بيته أو بقاء السلاح في أيدي مغامرين لا يفقهون شيئاً في علاقة الإنسان بأرضه وبيته وفسحة داره وبركة بساتينه…
اللعبة التقليديّة انتهت، والخصم غدّار لن يحسب لنا أيّ حساب. يدمّر، ولم يعد يوجد مَن يعمّر، يهجّر، ولم يعد يتّسع الوطن لكلّ هذا الحزن، لكلّ هذا الموت، لكلّ هذا الجحيم!!
