التواصل الأمريكي مع حزب الله: شبهة أم تفاهمات تُطبخ على نار حامية؟

​بقلم: نزار شاكر

​منعطف استراتيجي وتصريح يفجّر البروتوكول
​تمر المفاوضات المتعلقة بالعدوان على لبنان بمنعطف استراتيجي حاسم؛ فبينما تسعى إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لفرض ترتيبات أمنية جديدة في الجنوب اللبناني، جاء الإعلان عن “مقترح وقف إطلاق النار” ليُقابَل برفض علني وحاسم من حزب الله. هذا الرفض عبّر عنه أمينه العام الشيخ نعيم قاسم باعتباره مساساً بالسيادة، ومحاولة لانتزاع ما عجزت عنه إسرائيل في الميدان عبر بوابة المفاوضات.
​والحدث الصدمة أنه في خضم هذا التصلب الميداني واستمرار الغارات على “الغازية” و”النبطية” و”المنصوري”، فجّر ترامب مفاجأة سياسية؛ حيث أعلن وجود “قنوات اتصال مباشرة أو غير مباشرة” مع حزب الله، ووصف أجواءها بـ”الجيدة”. هذا التصريح كسر المقاطعة الأمريكية التقليدية للحزب، المصنف في واشنطن كـ”منظمة إرهابية”، فهل نحن أمام “شبهة” مناورة إعلامية؟ أم “تفاهمات تُطبخ على نار حامية” لإعادة رسم الجبهة؟

​دلالات تصريح ترامب بالتواصل مع حزب الله – بين البراغماتية والمناورة
​أحدث إعلان ترامب صدمة في الأوساط الدبلوماسية، وللحدث قراءتان متناقضتان لا يمكن فصل إحداهما عن الأخرى:
وجهة النظر المؤيدة/البراغماتية (“مع”) : ترى هذه القراءة في كلام ترامب عقلية “الصفقات” التي اشتهر بها، فهو يعترف بالأمر الواقع الفعلي: أن الاتفاق مع الحكومة اللبنانية وحدها لا يكفي لإنهاء الحرب، فصاحب القرار العسكري الميداني في جنوب الليطاني هو حزب الله، وبالتالي لا بد من مخاطبته لضمان أي ترتيبات أمنية مستدامة.
​ووصف قنوات الاتصال مع الحزب بـ”الجيدة” ليس مجاملة، بل إضفاء لشرعية تفاوضية واقعية؛ إذ يرفع هذا الوصف كرت الحظر الدبلوماسي نسبياً، ويعطي الحزب مكانة “المحاور المباشر” مع القوة العظمى. والهدف أبعد من لبنان، فهو تأسيس لتسوية كبرى تشمل ملفات إقليمية موازية كالملف الإيراني وأمن الملاحة في مضيق هرمز. كل هذا يعكس رغبة ترامب في الحسم السريع وبتر البيروقراطية، عبر الالتفاف على تعقيدات الدبلوماسية التقليدية والوصول إلى صيغة نهائية مباشرة مع صاحب القرار الميداني.
وجهة النظر المعارضة/ التشكيكية (“ضد”) :
الحذر واجب، فالتصريح قد يكون مناورة سياسية بارعة، ويمكن تفسيره كفخ: حيث يُظهر ترامب نفسه كصانع سلام مستعد للتحدث مع الجميع، وحين يفشل المقترح بسبب رفض الحزب للشروط القاسية، يتم تحميل حزب الله مسؤولية استمرار نزيف الحرب أمام الرأي العام اللبناني والدولي.
​كما قد يكون الأمر استهلاكاً إعلامياً وتضخيماً للقنوات الأمنية؛ فما أعلنه ترامب قد لا يعكس خطوطاً سياسية عميقة، بل مجرد رسائل متبادلة عبر وسطاء أمنيين كالمخابرات اللبنانية أو أطراف خليجية وأوروبية، جرى تضخيمها لإظهار قدرة الإدارة الأمريكية على اختراق المحظورات.
​أما القراءة الأخطر فهي محاولة شق الصف وتليين المواقف؛ فالإشادة بـ”مرونة” أو “إيجابية” قنوات معينة داخل الحزب قد تستهدف إحداث إرباك في جبهته الداخلية، أو الإيحاء بوجود تمايز بينه وبين حلفائه الإقليميين في طهران.

​موقع “الدولة والوسطاء” – جدلية القفز فوق الرئيس نبيه بري
​يرتبط هذا المحور بجدلية تفاوض المجتمع الدولي مع “الدولة اللبنانية الرسمية” في ظل وجود قوى عسكرية موازية، وموقع رئيس مجلس النواب نبيه بري ككبير المفاوضين لدى الثنائي الوطني.
القراءة الواقعية : التفاوض مع الدولة دون الحزب “لا قيمة له”
ينطلق السياسي والمحلل اللبناني الدكتور خلدون الشريف، ومعه قطاع واسع من كبار الكتاب السياسيين، من مقاربة “الواقعية السياسية” (Realpolitik)، ويؤكدون أن أي مسار تفاوضي خارجي يتمحور حول الدولة اللبنانية الرسمية بمفردها، دون إشراك حقيقي ومباشر للطرف الذي يملك السلاح، هو مسار “ملتبس” ويفتقد للجدوى الفعلية.
​والسؤال المركزي هنا: كيف تستطيع الدولة أن تفاوض على وقف إطلاق النار والترتيبات الأمنية والانتشار العسكري، وهي لا تملك قرار الحرب والسلم، وهذا السلاح ليس تحت إدارتها المباشرة؟
​بناءً على ذلك، فإن تصريحات ترامب بالاتصال المباشر تمثل إدراكاً أمريكياً بأن الضغط على مسؤولي الدولة فقط لن يثمر؛ فالقفز فوق سلطة الأمر الواقع الميدانية واشتراط بنود قاسية، مثل حرية الحركة لإسرائيل أو الانسحاب الفوري الشامل دون مقابل، سيجعل أي اتفاق “وليداً ميتاً” وحبراً على ورق بمجرد اصطدامه بالواقع الميداني.
القراءة الدستورية : الرئيس بري كـ”حاجة وطنية ودولية بالواسطة”
في المقابل، يرى خلدون الشريف وكتّاب آخرون أن القوى الدولية والإقليمية، بما فيها واشنطن، رغم إدراكها لمركزية الحزب الميدانية، إلا أنها لا تريد ولا تستطيع محاورة حزب الله بشكل رسمي ومفتوح، تجنباً لإعطائه صك براءة سياسياً كاملاً.
​هنا يبرز دور الرئيس نبيه بري كـ”حاجة وطنية وإقليمية ودولية بالواسطة”، فهو يمسك بميزان دقيق يربط بين مطالب المجتمع الدولي بالقرار 1701 وسقوف المقاومة على الأرض.
​من هذا المنطلق، لا يعني حراك ترامب المباشر استبعاد بري أو رفع التكليف عنه، بل هو استخدام لخط ساخن موازٍ للطوارئ العسكرية، مثل كبح جماح التصعيد الشامل ضد العواصم والبنى التحتية؛ ففي نهاية المطاف، لا يمكن لأي اتفاق أمني أو سياسي أن يكتسب شرعية قانونية أو صبغة ديمومة دولية ما لم يمر عبر القنوات الدستورية الرسمية للدولة اللبنانية التي يمثل البرلمان ورئيسه عمودها الفقري.

الانعكاسات على المفاوضات الجارية ومكاسب حزب الله
​ربطاً بالتطورات الأخيرة المتمثلة في الرفض الصارم للحزب لمقترح وقف النار المشروط، ينعكس هذا المشهد على المسار كله:
​على مسار المفاوضات: تحول المسار من صيغة “الدبلوماسية الناعمة عبر الوسطاء” إلى صيغة “عض الأصابع المباشر” بين واشنطن وتل أبيب من جهة، والحزب وطهران من جهة أخرى، حيث إن الرفض الحالي يعيد المفاوضات إلى المربع الأول، ويرفع من سقف الشروط الميدانية، خصوصاً مع محاولة إسرائيل فرض “حزام أمني” بالقوة والقصف المستمر.
​ماذا يكسب حزب الله من هذا الربط؟
أولاً: تثبيت معادلة الفيتو الميداني؛ حيث يرى كثيرون أن الحزب قد أثبت عملياً أن موافقة الحكومة اللبنانية أوه الضغوط الدولية لا تعني سريان الاتفاق على الأرض ما لم تُلبَ شروطه الجوهرية: الوقف الشامل للاعتداء، الانسحاب الإسرائيلي الكامل، وحفظ سيادة لبنان.
ثانياً: من خلال ربط المسارات الإقليمية، يستفيد الحزب من رغبة ترامب الشديدة في تهدئة الجبهات؛ حيث يستغل هذا التداخل بالتنسيق مع طهران لتحسين شروط التفاوض الكلي في المنطقة، عبر محاولة ربط الهدوء في الجنوب اللبناني بملفات إقليمية أوسع تشمل العقوبات وأمن الملاحة الدولية.

​السيناريوهات المستقبلية – استشراف الوقائع الفعلية
​بناءً على المعطيات الراهنة وتصلب مواقف الأطراف، تتأرجح التطورات بين ثلاثة سيناريوهات حتمية:
​السيناريو الأول: “التصعيد الممنهج لكسر الإرادات” – الأعلى ترجيحاً على المدى القصير
​مضمونه: بعد الرفض العلني من الحزب للاتفاق المشروط وإصرار القيادة الإسرائيلية على انتزاع مكاسب أمنية، ستشهد الجبهة موجة تصعيد عسكري غير مسبوقة: اشتباكات عنيفة على الحافة الأمامية في الجنوب، وتوسيعاً لمدى الضربات الصاروخية للحزب، مقابل أحزمة نارية إسرائيلية مكثفة.
​آليته: يحاول كل طرف استثمار “قنوات الاتصال” للتحسين الميداني قبل التوقيع. سيعمد ترامب إلى ممارسة أقصى درجات الضغط العسكري عبر إسرائيل لكسر عناد الحزب، بينما يسعى الحزب لإثبات أن تكلفة البقاء الإسرائيلي في الجنوب واستنزاف العمق الإسرائيلي باهظة جداً ولا يمكن لتل أبيب تحملها، مما يجبرهم على تعديل المسوّدة.
​السيناريو الثاني: “اتفاق الضرورة/ صفقة الخط الساخن” – المدى المتوسط
​مضمونه: أن تتمخض عن قنوات الاتصال المباشرة الأمريكية-الإيرانية، أو الخلفية بين أمريكا والحزب، صيغة معدلة ومتقاطعة مع مساعي الرئيس بري والحكومة اللبنانية.
​آليته: الوصول إلى تسوية تتضمن “تزامناً حقيقياً”، تنسحب بموجبه إسرائيل من كافة النقاط التي تقدمت فيها، مقابل انتشار صارم وكثيف للجيش اللبناني وقوات اليونيفيل، مع صياغة تفاهمات أمنية عبر لجان مراقبة دولية مقبولة من الطرفين تضمن عدم العودة للمظاهر المسلحة علناً جنوب الليطاني، دون إعلان الحزب الاستسلام أو تسليم سلاحه، وبما يحفظ ماء وجه الجميع.
​السيناريو الثالث: “المراوحة وحرب الاستنزاف المفتوحة”
​مضمونه: فشل القنوات المباشرة وغير المباشرة، ودخول الجبهة اللبنانية في حرب استنزاف طويلة وممتدة، دون أفق زمني للحل.
​آليته: يعلن ترامب تجميد وساطته مؤقتاً متهماً الحزب بالتعنت، وتستمر إسرائيل في عملياتها الموضعية وقضم الأراضي وإنشاء المنطقة العازلة، في حين يواصل الحزب استهداف الشمال والعمق الإسرائيلي لمنع عودة المستوطنين، بانتظار نضوج ظروف إقليمية ودولية مغايرة تماماً تفرضها تغيرات موازين القوى في ملفات المنطقة الأخرى.
​خاتمة وتوصية تحليلية
​إن ما أكدته تصريحات ترامب والتطورات التي تلتها هو أن الدبلوماسية لا تصنع واقعاً ما لم يفرضه الميدان، وأن محاولة تهميش الحزب بالتفاوض مع الدولة وحدها أثبتت عدم جدواها واقعياً. كما أن محاولة القفز فوق الدولة والبحث عن اتفاقات أمنية مع فصيل مسلح دون غطاء دستوري يمثله الرئيس بري والمؤسسات، تفتقد للشرعية والديمومة.
​وبناءً عليه، فإن أي حل قادم سيتطلب حتماً “تزاوجاً” بين واقعية الميدان التي يمثلها حزب الله، وشرعية الدولة التي يمثلها نبيه بري والحكومة، في مواجهة الشروط الأمريكية-الإسرائيلية.
​فالسؤال الذي نتركه مفتوحاً: إذا كانت واشنطن قد كسرت محظوراتها وجلست تتحدث، فمتى نجلس نحن اللبنانيين بكل مكوناتنا على طاولة واحدة، لنحمي سيادتنا بأيدينا قبل أن تُفرض علينا شروط الآخرين؟

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top