مطار الرئيس رينيه معوض: أن تحلق من ربوع عكار

بقلم الياس عيسى الياس

هبطت الطائرة المدنية على المدرج. لم تكن مجرد طائرة، بل صدمة إيجابيةفي جسد الشمال المنسي. رئيس الحكومة نواف سلام ومعه وزير الأشغال فايز رسامني وصلا إلى المطار معلنين إطلاق مسار تأهيله. الحدث تاريخي بكل المقاييس. إنه إعلان صريح عن رغبة الدولة في استعادة مرافئها وإدارتها السيادية، بعد عقود من الإهمال والتعطيل الممنهج.
 
على طول الطريق من العبدة حتى مدخل المطار، كانت التدابير الأمنية للجيش اللبناني لافتة. في حرم المطار، فُرش السجاد الأحمر واحتشدت وفود رسمية ودبلوماسية. وفوق الرؤوس، كان ضجيج الطوافات العسكرية يملأ المدى. رائحة الرطوبة البحرية الممتزجة بتراب عكار كانت تفوح في الأرجاء.
 
في تلك اللحظة، شعر الحاضرون أن الدولة، برئيسها جوزيف عون وحكومتها، تحاول بجدية نفض الغبار عن هذا المرفق الحيوي. إنها محاولة حقيقية للنهوض ببلد يحتضر.
 
لطالما كان هذا المطار حلماً شخصياً سكنني لأكثر من عشرين عاماً. كم تمنيت في أسفاري أن تحط طائرتي أو تقلع على مسافة دقائق من منزلي. لعل قصر المسافة اليوم يحفز لدي رغبة السفر التي تراجعت مع السنين؛ الرغبة التي كنت أؤجلها دائماً هرباً من كابوس الانتقال من وإلى مطار بيروت. تلك المهمة الشاقة كانت دائماً الجزء الأصعب في أي رحلة.
 
اليوم، يتجدد الأمل. لعل الرحلة الحلم إلى إيطاليا لرؤية الأصدقاء، برفقة زوجتي رانيا وابنتي كلارا وابني شربل، تبدأ من هنا. من بين هذه الربوع. أن تأتي الفرصة متأخرة خير من ألا تأتي أبداً.
 
إعادة تشغيل المطار ليست كيدية سياسية، بل خطوة إنمائية وسيادية حتمية. لسنوات طويلة، ظلت قوى الأمر الواقع ترى في أي منفذ سيادي جديد تهديداً لمعادلاتها وحساباتها الضيقة.
 
غابت المشاريع الحقيقية وحضر الحرمان. واليوم، تبدو الساحة مهيأة لتبديل هذه المعادلات الداخلية؛ فالظروف الإقليمية والمالية تقاطعت أخيراً لتمنح الشمال حقه الطبيعي.
 
التوقيت حرج للغاية ويتجاوز الحسابات الضيقة. يعيش لبنان تحت وطأة حرب إسرائيلية مستمرة منذ أكتوبر ٢٠٢٣، وتجددت بعنف في مارس ٢٠٢٦ بعد هدنة هشّة. المخاوف من الاعتماد على مطار واحد في بيروت أصبحت خطراً داهماً؛ إذ واجه مطار العاصمة تهديدات مستمرة بذريعة استخدامهمن قِبل الحزب.
 
من هنا، يصبح مطار الرئيس رينيه معوض حاجة أمنية قصوى لتعدد منافذ البلاد وتعزيز سيادتها. وأتساءل هنا: هل كان يلزمنا دائماً أن ننتظر الحروب لندرك بديهية تعدد المنافذ؟ هو ليس بديلاً عن مطار بيروت، بل جناح ثانٍ يحمي الأجواء الوطنية.
 
الخطوات العملية بدأت بالفعل على الأرض. فضت وزارة الأشغال العروض في مزايدة عمومية، ورست على شركة “سكاي لاونج” اللبنانية بعقد يمتد لأربع سنوات. ستحصل الدولة على ٨٪ من صافي الأرباح بحد أدنى يبلغ٢٠٠ ألف دولار سنوياً.
 
الورشة ستنطلق خلال ثلاثة أشهر بهدم المبنى القديم وبناء صالة مسافرين مؤقتة خلال ٩٠ يوماً. التقديرات تشير إلى أن المطار لن يفتح أمام الرحلات المدنية المنتظمة قبل النصف الثاني من عام ٢٠٢٧. عام ٢٠٢٧ يبدو بعيداً، لكن في بلد اعتاد على التأجيل الأبدي والوعود المتبخرة، حتى هذا الموعد يبدو أشبه بمعجزة صغيرة تستحق التمسك بها.
 
المرفق ضخم وله هيبة خاصة. يمتد على مساحة خمسة ملايين ونصف المليون متر مربع، على بعد سبعة كيلومترات من الحدود السورية و٢٥ كيلومتراً من طرابلس. تاريخه يعود لعام ١٩٤١ حين أنشأه الحلفاء كمطارعسكري، قبل أن يتسلمه الجيش اللبناني عام ١٩٦٦.
 
لكن الرمزية الأكبر تجسدت في ٥ نوفمبر ١٩٨٩. هنا أقرّ مجلس النواب وثيقة الطائف، وهنا انتخب رينيه معوض رئيساً للجمهورية قبل أن يغتاله رصاص الغدر بعد سبعة عشر يوماً فقط. أن يُنتخب رئيس إنقاذي في مطار ثم يُغتال قبل أن يمارس صلاحياته، هذا لعمري يختصر مأساة لبنان بينحلم الولادة ولعنة التعطيل.
 
المشروع يمثل أكبر فرصة استثمارية لعكار. يتوقع الخبراء أن يؤمن أكثر من١٠٠٠ وظيفة لمحيطه، وينعش قطاعات الشحن والصيانة والسياحة، خاصةإذا رُبط بمرفأ طرابلس والمنطقة الاقتصادية الخاصة. الملف ظل معلقاً لعقودبسبب غياب التوافق وهواجس المجال الجوي السوري، وكلفة تأهيل قُدّر تسابقاً بـ٢٠٠ مليون دولار تبدلت معطياتها بعد الانهيار المالي.
 
الإرادة الحالية تجاوزت الممانعات السابقة، بما فيها التحفظات الأمريكية القديمة التي تبددت مع إعلان السفير ميشال عيسى من أرض المطار أن المشروع يمثل أملاً جديداً واقتصاداً أقوى للبنان.
 
صدى الكلمات كان قوياً في خيمة الاحتفال. وزيرة السياحة لورا الخازن لحود تحدثت عن تنشيط الشحن، ووزير الداخلية أحمد الحجار وعد بلقاءات مكثفة لضبط الأمن. أما رئيس الحكومة نواف سلام، فقد أطلق الموقف الأبرز بربطه الإنماء بفرض سيادة القانون، مؤكداً أن استكمال الطائف يتطلب حصر السلاح بيد الدولة وحدها.
 
انتهى الحفل وغادرت الوفود الرسمية بمواكبها الطويلة. سكن الضجيج تدريجياً، وابتعدت الطوافات العسكرية مخلفة وراءها هدوءاً حذراً يلف المساحة الشاسعة. وقفت لوحدي لدقائق أنظر إلى المدرج الرمادي الممتد نحو الأفق، حيث يتداخل الشجر البعيد بزرقة المتوسط.
 
السجاد الأحمر بدأ يجمع، لكن رائحة تراب عكار الرطب ظلت ثابتة في مكانها. طارت الطائرة التي حملت الوعود، وبقي المدرج خالياً، ينتظر بصمت أن تصدق الدولة هذه المرة، وأن يحط الحلم أخيراً فوق هذه الأرض المتعبة.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top