صواريخ ال7 من حزيران: تفاوض بالنار أم اعتراف بالاستنزاف؟

بقلم الياس عيسى الياس

انطلقت موجة الصواريخ الباليستية الإيرانية أول من أمس نحو شمال إسرائيل، لتعيد ترتيب أولويات المنطقة بالنار. الهجوم الكثيف جاء بعد أسابيع مريرة عشناها هنا في لبنان تحت وطأة غارات عنيفة لا تهدأ، وجدار صوت يخرق سماء بيروت والجنوب ليل نهار.
 
لكن، وخلافاً لضجيج شاشات التلفزة التي سارعت إلى الحديث عن مواجهة كبرى، ثمة قراءة أخرى تستوجب الكثير من الحذر؛ فربما لا نرى هنا عرضاً يعكس فائض القوة الإيرانية، بقدر ما نشهد محاولة متأخرة لتغيير شروطلعبة التفاوض بعد أن تهاوت ركائزها الأساسية في الميدان.
 
تاريخياً، قام النفوذ الإقليمي لطهران على شبكة أذرعها، واحتل حزب الله قمة هذه الهرمية باعتباره الذراع التي تمنحها نفوذاً مباشراً على ساحل المتوسط، ولسانها الذي يتحدث حين تفضل الصمت.
 
ومع ذلك، طوال أشهر التصعيد الدامي، بدا الدعم الإيراني دون مستوى التوقعات، وهو أمر لم يعد خافياً حتى على الناشطين والإعلاميين المقربين من مناخ المحور نفسه، والذين لمسوا حرج الموقف بينما يواجه الحليف اللبناني وحيداً آلة اغتيالات طالت رموزه التاريخية.
 
من هنا، يبدو لي أن تحرك طهران الأخير ليس هجوماً، بل هو اعتراف ضمني متأخر بأن حليفها في بيروت استُنزف، ولم يعد قادراً على تحمل عبء هذه الحرب وحيداً نيابة عنها.
 
وأنا هنا لا أرى هذا التحول وليد حسابات خارجية مجردة، بل أزعم أنه نتاج أزمة مصداقية حادة يواجهها النظام في عقر داره؛ فالصمت المديد بدأ ينهش هيبة القيادة أمام عناصر الحرس الثوري الذين تملكهم الإحباط بعد سلسلة الانكسارات المتتالية دون رد يذكر.
 
يبدو أن صانع القرار في طهران استشعر أخيراً أن استمرار الانكفاء سيفضي إلى عزلة إستراتيجية تامة، فترك بنية حزب الله تتفكك كلياً يعني إنهاء نفوذها على حدود إسرائيل، وهو ثمن باهظ سيجردها من أوراق قوتها الإقليمية دفعة واحدة.
 
وأمام هذا الانسداد، لم يعد أمام القيادة الإيرانية سوى اللجوء إلى خيار التحريك بالنار. وهنا نلمح ما يشبه إستراتيجية أكتوبر 1973، حيث استُخدم السلاح لكسر الركود وفرض التسوية لا لخوض حرب إبادة شاملة.
 
فالإستراتيجية الإيرانية بنيت أساساً على أن يحارب الوكيل ليبقى المركز آمناً، ونزول الأصيل اليوم إلى الميدان بنفسه يؤكد تراجع كفاءة هذا الدرع الحمائي. هذا الارتباك تفسره أيضاً أجواء البرود التي تتسرب من مواقف الحلفاء الدوليين في مواضع عدة، والذين لا يبدون أي حماس للانجرار وراء طهران في مغامرة غير واضحة المعالم.
 
أجد نفسي متسائلاً عن حجم الهامش المتبقي في يد القيادة الإيرانية، والذي يبدو أنه يضيق لينحصر في أوراق صعبة ومربكة. فحزب الله، رغم تراجع قدراته الهجومية، لا يزال يحتفظ بثقل سياسي وجغرافي يمنع تجاوزه، وهو ما تحاول طهران استثماره لمنع شطب حليفها من المعادلةالمستقبلية.
 
وفي المقابل، تدرك طهران – كما يدرك خصومها – أن التلويح بورقة مضيق هرمز سيبقى مجرد تهديد معطل، لأن تفعيلها يعني انتحاراً اقتصادياً للداخل الإيراني قبل غيره.
 
في المحصلة، يُستبعد أن تكون اندفاعة السابع من حزيران رغبة إيرانية فيحرب شاملة، بل هي على الأرجح مناورة بالنار لحجز مقعد متقدم على طاولة التسويات القادمة التي تُصاغ خلف الكواليس.
 
يبقى السؤال الذي يقلقنا هنا في بيروت ونحن نرقب السماء الملتهبة: هل تنجح صواريخ طهران في شراء مقعد لها على الطاولة، أم أن الثمن قد دُفع سلفاً من رصيد الحليف اللبناني، وضمن شروط تسوية لن تملك طهران فيها حق الفيتو؟

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top