
بقلم راما الجراح
يتصدر ملف الامتحانات الرسمية النقاش التربوي في لبنان مع تصاعد المخاوف الأمنية الناتجة عن الحرب المستمرة، وما تفرضه من تحديات على العملية التعليمية في عدد من المناطق. وبين تمسّك وزارة التربية بإجراء هذا الاستحقاق حفاظاً على صدقية الشهادات الرسمية وحقوق الطلاب، تتزايد الدعوات إلى إعادة النظر في القرار، في ظل تفاوت الظروف التعليمية والأمنية بين منطقة وأخرى.
وشهد اجتماع لجنة التربية النيابية يوم أمس نقاشاً موسعاً حول مصير الامتحانات الرسمية. وبعد التداول بالواقعين التربوي والأمني، برز توجه نيابي يدعو إلى إعادة النظر في قرار إجراء الامتحانات. وفي ختام الاجتماع، أعلنت وزيرة التربية والتعليم العالي ريما كرامي أنها ستعيد تقييم القرار على ضوء الملاحظات التي طرحها النواب خلال الجلسة، مؤكدة حرصها على سلامة الطلاب والأساتذة وعدم اتخاذ أي خطوة قد تعرّضهم للخطر، مع الإبقاء على الدعوة إلى متابعة التحضير للامتحانات إلى حين صدور القرار النهائي.
وليس هذا النقاش الأول من نوعه في لبنان، إذ شهدت العقود الماضية أكثر من محطة استثنائية حالت دون إجراء الامتحانات الرسمية أو دفعت الدولة إلى منح إفادات للطلاب. وقد منحت وزارة التربية إفادات لست مرات سُميت إفادات ترشيح في الأعوام 1978 و1985 و1987 و1988 و1989، وإفادة إثبات قيد عام 2014. وفي عام 1975، جرت الامتحانات الرسمية بدورة واحدة فقط. أما في عام 1976، فلم تجر الامتحانات ولم يعط الطلاب إفادات، وقد نُظمت لهم دورة بديلة عام 1977 التي شهدت ثلاث دورات في أيار وتموز وأيلول. وبين عامي 1979 و1983 جرت الامتحانات الرسمية بدورتين وصدرت نتائج رسمية. ونظراً إلى ظروف الحرب وعدم إمكانية إجراء الامتحانات في بعض المناطق في الموعد المحدد، جرت عام 1984 امتحانات رسمية لأربع دورات وصدرت نتائج رسمية. وفي عام 1986، وبين عامي 1990 و2019، نُظمت الامتحانات لدورتين، ما عدا 2014 حيث أجريت الامتحانات الرسمية ولم تُصحح، وأعطيت إفادات إثبات قيد واجهت بعض الإشكاليات، إذ اشترطت بعض الجامعات إنجاز سنة فرشمان قبل الدخول في الاختصاص. وفي عام 2019، أجريت امتحانات دورة ثالثة للبريفيه للمدارس التي لم ترفع لوائحها في الوقت المحدد لاستقبال طلبات الترشيح.
وفي هذا السياق، أكدت النائب بولا يعقوبيان، التي تقدّمت مع رئيس لجنة التربية النيابية النائب حسن مراد باقتراح قانون معجّل مكرّر لإلغاء الامتحانات الرسمية للشهادة الثانوية والشهادات الفنية للعام 2026 لموقع “ديمقراطيا”، أنه في حال استمرار الأوضاع الأمنية على حالها حتى الأسبوع المقبل، فإن رئيس الحكومة نواف سلام غير راضٍ عن إجراء الامتحانات، مشيرةً إلى أنهم مع الحفاظ على مستوى التعليم، إلا أن الوضع استثنائي، معتبرة أن هذه السنة تحديداً لا تحتاج إلى أي مبرر لرفض إعطاء إفادات.
وقالت يعقوبيان: “قدّمنا اقتراح القانون لأن سلامة الطلاب أولوية، وأبلغنا الوزيرة خلال الاجتماع أنه سُجّل شهداء من التلامذة، وبطلب من الطلاب يجب أن يضغطوا على نواب مناطقهم لإقرار القانون”.
وكشفت مصادر مطلعة على أجواء لجنة التربية النيابية لـ”ديمقراطيا” أن الوزيرة ريما كرامي كانت متمسكة حتى وقت قريب بإجراء الامتحانات الرسمية من خلال الآلية التي سبق الإعلان عنها، انطلاقاً من حرصها على حفظ حق الطلاب في نيل شهاداتهم الرسمية وعدم التفريط بالاستحقاق التربوي. إلا أن النقاشات التي شهدتها لجنة التربية النيابية عززت التوجه نحو إعادة النظر في قرار إجراء الامتحانات، في ضوء التطورات الأمنية والمخاوف المرتبطة بسلامة المرشحين والأساتذة والعاملين في المراكز الامتحانية.
وتشير المصادر إلى أن جانباً أساسياً من المداولات تناول الواقع الأمني المحيط بالمراكز الامتحانية وإمكانية وصول الطلاب إليها في حال استمرار التصعيد. كما برزت خلال الاجتماع هواجس مرتبطة بتوزع المراكز على المناطق اللبنانية المختلفة، وما قد يرافق ذلك من صعوبات لوجستية وأمنية. ووفق المعطيات المتوافرة، فإن الوزارة تتابع التطورات الميدانية بشكل يومي، على أن يُبنى القرار النهائي على ما ستشهده الأيام القليلة المقبلة.
وبحسب معلومات “ديمقراطيا” أنه في حال عدم التوصل إلى وقف شامل لإطلاق النار أو تحسن ملموس في الوضع الأمني، فإن خيار إلغاء الامتحانات سيصبح أكثر ترجيحاً. إلا أن الوزارة، وحتى هذه اللحظة، تواصل القيام بواجباتها واستكمال التحضيرات اللازمة باعتبار أن الامتحانات لا تزال قائمة رسمياً، فيما تؤكد في الوقت نفسه أنها لن تتخذ أي قرار قد يعرّض الطلاب أو الأساتذة أو الأهالي لأي مخاطر.
وفي انتظار القرار النهائي، يبقى آلاف الطلاب وأهاليهم أمام حالة من الترقب والقلق، بين الرغبة في الحفاظ على قيمة الشهادة الرسمية وضرورة مراعاة الظروف الاستثنائية التي يمر بها لبنان. وبين هذين الاعتبارين، يبدو أن الحسم المرتقب سيستند إلى معادلة دقيقة تجمع بين العدالة التربوية ومتطلبات السلامة العامة، في واحدة من أكثر السنوات الدراسية تعقيداً خلال السنوات الأخيرة.
