
بقلم الياس عيسى الياس
على شاشة الكمبيوتر المحمول، وسط ضجيج مقهى في شارع عزمي بطرابلس يصارع العتمة اليومية، قرأتُ مقال توماس ل. فريدمان المنشور في”نيويورك تايمز” بتاريخ التاسع عشر من يونيو. قرأتُه ثلاث مرات متتالية. المقال لافت؛ يعترف فيه علناً بأن إدارة ترامب قدّمت حساباتها الانتخابيةالداخلية على كل اعتبار آخر في صياغة الاتفاق الأولي مع إيران.
التشخيص ليس جديداً علينا في هذه البلاد؛ فقد عشنا هذا النمط من السياسة الأمريكية المتقلبة عقوداً. لكن شيئاً في نبرة فريدمان كشف لي، بوضوح فج، عن المسافة الحقيقية الفاصلة بين كيف تُقرأ هذه اللحظة فينيويورك، وكيف يجب أن تُقرأ في عواصم المنطقة، من الخليج وصولاً إلى بيروت.
فريدمان، وهو من أكثر المعلقين الأمريكيين متابعة لشؤوننا، غاضب. يرى أن ترامب “باع” حليفته إسرائيل ودول الخليج العربي من أجل ولايات متأرجحة كبنسلفانيا وميشيغان وجورجيا، خشية أن يدفع غلاء الغذاء والبنزين الناتج عن الحرب ثمناً انتخابياً باهظاً في نوفمبر. يصف الاتفاق بأنه أقرب إلى طلب إشهار إفلاس عقاري منه إلى وثيقة دبلوماسية. توصيف دقيق، ولا أجد سبباً لمجادلته فيه.
وحتى كبير المفاوضين الإيرانيين، محمد باقر قاليباف، لم يتردد في وصف الاتفاق أمام التلفزيون الحكومي بأنه سجل للفشل الأمريكي — وهي شهادة لا تحتاج مني إلى تعليق.
لكن المفارقة تبدأ هنا بالضبط؛ ففريدمان يكتب هذه اللحظة بوصفها فضيحة أمريكية داخلية. حكاية تُروى بمنطق غرفة الأخبار في واشنطن، حيث يدورالسجال حول موقع “فوكس نيوز” من الحدث، وماذا سيقول الديمقراطيون، وكيف سيُحاسَب ترامب أمام ناخبيه.
حتى مزحته عن نائبه — بأنه سيأخذ الفضل إن نجح الاتفاق ويُحمّله اللومإن فشل — قرأها فريدمان كنكتة مكشوفة عن منطق رئيس لا يفكر إلا بصورته الانتخابية. أما نحن، موضوع الصفقة لا طرفها، فلا نظهر في هذا السرد إلا كأرقام في معادلة صناديق الاقتراع.
المقال الذي يفترض أنه يفضح انتهازية واشنطن، يعيد إنتاج المنطق نفسه الذي ينتقده؛ إذ يقع في العادة الأمريكية القديمة ذاتها: الحديث عن مصير منطقتنا دون أن يمنح أصحاب الأرض صوتاً مستقلاً في التحليل.
وحين يتحدث عن “الرسالة” الموجهة لدول الخليج بأن واشنطن حزمت حقائبها ورحلت، يكتب ذلك كملاحظة عابرة ضمن جردة حساب أمريكية أوسع، لا كنقطة الثقل الحقيقية في القصة. وبذلك يسقط فريدمان في فخ النظر إلى المنطقة كساحة تتأثر بقرارات تُتخذ في غرف أخرى، لا كفاعل له حساباته الخاصة.
وهنا ينبغي لنا، ككتّاب وقراء، أن نطرح سؤالاً مختلفاً تماماً. سؤاله هو: هل سيخسر ترامب الانتخابات النصفية بسبب هذا الاتفاق؟ سؤالنا نحن يجب أن يكون: ماذا يعني أن نكتشف مجدداً، أن أمن المنطقة القومي مرهون بتقويم انتخابي في بنسلفانيا لا علاقة له بجغرافيا بلادنا ولا بمصالحها؟
هذا ليس سؤالاً نظرياً. تذكرتُ وأنا أقرأ تحليل فريدمان لمهلة الستين يوماً للمرور الآمن عبر هرمز، حديثاً جانبياً جمعني قبل أشهر بدبلوماسي خليجي التقيته في مناسبة اجتماعية، كان يقول لي بمرارة: “مشكلتنا أننانبني استراتيجياتنا على وعود تتبخر مع أول استطلاع رأي في الغرب”.
وما كشفه فريدمان يمنح كلامه ثقلاً إضافياً؛ فبنود وقف إطلاق النار لا تكتفي بتأجيل ملف اليورانيوم الإيراني إلى مفاوضات لاحقة فقدت فيها واشنطن أوراق ضغطها العسكرية، بل تترك الباب مفتوحاً أمام أن تفرض طهران، بعد انقضاء الستين يوماً، رسوماً فعلية على ناقلات النفط العابرة للمضيق.
القارئ الأمريكي يرى هذا التفصيل كبند تقني في صفقة فاشلة. أما هنا، فنحن نراه تذكيراً قاسياً بأن الملاحة في مياهنا، وأمن موانئنا، وحركة الصادرات، باتت ورقة تفاوض في يد طرف ثالث لا تملك دول المنطقة فيها قراراً مباشراً.
وفي ما يتجاوز تفاصيل الحسابات الفنية، لم يترك ترامب نفسه مجالاً للالتباس حين سُئل عن صواريخ إيران، فأجاب بسؤال مضاد: هل يُعقل أن يملك السعوديون صواريخ بينما يُحرم الإيرانيون منها؟ ثم أضاف أن هذه الصواريخ “تؤذي موقعاً صغيراً، لكنها لا تفجر الكوكب”.
هذه ليست زلة لسان عابرة، بل تلخيص دقيق لمنطق المقايضة الذي يُدار به أمن منطقة بأكملها من مكتب بيضاوي في واشنطن: حلفاء وخصوم على طاولة واحدة، توازنهم محسوب بمعيار أمريكي بحت لا بمعيار من يعيش تحت مرمى تلك الصواريخ.
الأمر يمثل سياقاً ممتداً اعتادت فيه كل إدارة أمريكية، جمهورية كانت أمديمقراطية، إعادة إنتاج النسخة نفسها من هذه العلاقة كلما اقتضت حساباتها الداخلية؛ يتغير الخطاب، ويبقى المنطق واحداً: واشنطن تقرر، والمنطقة تتأقلم.
وما يكشفه اعتراف فريدمان، هو أن حتى أشد المعلقين الأمريكيين انتقاداً للإدارة لا يزالون يفكرون من داخل الإطار نفسه، الذي يضع المصلحة الأمريكية في المركز ويعامل كل ما عداها كهامش يُذكر بقدر ما يخدم الحجة الداخلية.
الخلاصة الجوهرية هنا ليست فضيحة ترامب الانتخابية. البرهان الإضافي والأخطر هو أن أي استراتيجية إقليمية تقوم على انتظار “ضمانة أمريكية” ثابتة هي استراتيجية مبنية على رمال متحركة. فلا الحزب الجمهوري ولا الديمقراطي يقدم وعداً يفوق عمر دورة انتخابية واحدة.
وإذا كانت إيران قد خرجت من هذا الاتفاق أقوى، فإن السؤال الذي يخصنا تحديداً ليس متى ستعود واشنطن إلى رشدها، بل كيف تبني المنطقة حسابات أمنها بمعزل عن تقويم الانتخابات الأمريكية.
الأمن لا يُستورد. ومن لا يملك قراره في مياهه، يظل رهينة لمزاج ناخب في ولاية أمريكية بعيدة، لم يسمع أغلب سكانها يوماً باسم مضيق هرمز.
