
بقلم: نزار شاكر
تُقدّم الجغرافيا السياسية للمشرق العربي، في فضاء عام 2026، نموذجاً شديد السيولة لإعادة تشكيل موازين القوى بين الدول والفواعل من غير الدول. وفي هذا السياق، لم تعد زيارة وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، إلى لبنان ومحطته الاستثنائية في طرابلس، مجرد حدث دبلوماسي عابر، بل تحولت إلى “مختبر تحليلي مكشوف” لتفكيك التحولات الهيكلية في طبيعة العلاقات اللبنانية-السورية. ومن منظور “الواقعية البنيوية الجديدة” ومفاهيم “الجيوسياسية الوظيفية”، يمكن قراءة هذا الحدث كعملية إعادة تموضع دمشق تجاه الدولة اللبنانية ومراكز القوة الفاعلة فيها، وسط انقسام تحليلي حاد بين مقاربتين تفسيريتين لرسائل الزيارة وتداعياتها.
أولاً: جولة بيروت وهيكلية العلاقات الرسمية (الندية في مواجهة التطبيع المقنّع)
شكلت لقاءات الشيباني في العاصمة بيروت مع رئيس الجمهورية وعين التينة والسرايا الحكومية، فضلاً عن المرجعيات الروحية والسياسية المتباينة، المرتكز الأول للزيارة. وتطرح هذه اللقاءات الرسمية قراءتين حول مستقبل هيكل الدولة المركزية:
منطق الندية والمؤسساتية: يرى المؤيدون أن الانفتاح على كافة المكونات اللبنانية—حتى تلك التي ناصبت دمشق العداء تاريخياً كمعراب وبكركي—هو إعلان صريح بإنهاء حقبة الوصاية الأمنية السابقة. العلاقة اليوم تمر حصراً عبر القنوات الدستورية الشرعية، وهي محاولة لتحصين الساحة اللبنانية-السورية بمشروع تكامل رسمي يمنع تفرد إسرائيل بالمنطقة ويؤسس للاستقرار المستدام.
منطق الاستيعاب وإدارة التآكل: في المقابل، يرى التشكيكيون أن الجولة تعكس قراءة دمشق الحذرة لتآكل سلطة المركز في بيروت. فالانفتاح الشامل هو تعامل هادئ مع “كانتونات سياسية” كأمر واقع، حيث تسعى دمشق من خلال رسائل التطمين ونفي الدخول العسكري إلى كسب مشروعية إقليمية ودولية جديدة دون تقديم مكاسب سيادية حقيقية ملموسة للدولة اللبنانية.
ثانياً: الرسائل الضمنية تجاه “حزب الله” (تجاوز فائض القوة أم إعادة توزيع الأدوار؟)
انتقالاً من بنية الدولة إلى القوة العسكرية الموازية لها، أثار استثناء أي موعد رسمي معلن مع قيادة “حزب الله” نقاشاً عميقاً حول الرسائل الموجهة للطرف الأقوى على الساحة، وتتباين القراءات هنا وفق اتجاهين:
مقاربة “فك الارتباط البنيوي”: يرى هذا التحليل أن دمشق توجّه رسالة حاسمة مفادها أن زمن “تحالف الضرورة العسكرية” قد انقضى، وأن سوريا تبحث عن فك ارتباطها العضوي بـ”محور المقاومة” كخيار وحيد لتأمين شرعيتها الدولية واستقطاب الاستثمارات. ووفق هذا المنظور، فإن حصر اللقاءات بمؤسسات الدولة يعكس رغبة سورية في سحب “غطاء الممانعة” عن سلاح الحزب، والتأكيد على أن دمشق لم تعد مستعدة لتحمل كلفة مغامراته العسكرية أو ربط الساحة بملفات إقليمية وافدة.
مقاربة “التقاسم الوظيفي البراغماتي”: في المقابل، يرى اتجاه آخر أن غياب اللقاءات المباشرة لا يعكس صداماً، بل هو “توزيع أدوار ذكي” تفرضه البراغماتية الإقليمية لعام 2026. فدمشق تحتاج إلى مخاطبة العالم بلغة الدبلوماسية الرسمية لتخفيف الضغوط، مع علمها التام بأن سلاح حزب الله يمثل واقعاً إستراتيجياً متفقاً عليه تحت الطاولة. وبناءً عليه، فإن الزيارة لا تستهدف إنهاء نفوذ الحزب، بل إعادة تأطيره وضبط إيقاعه تحت سقف التفاهمات الإقليمية الكبرى.
ثالثاً: محطة طرابلس والشمال (التكامل الإنمائي في مواجهة فخ الجغرافيا الوظيفية)
برزت المحطة الشمالية الاستثنائية للزيارة كأحد أكثر الأبعاد إثارة للجدل، واضعةً عاصمة الشمال في قلب التجاذب التحليلي:
أطروحة الشراكة والوفاء التاريخي: يرى هذا التيار أن الزيارة فرصة تاريخية لإعادة وصل الشمال بعمقه العربي الطبيعي عبر مشاريع ملموسة (مصفاة طرابلس، سكة الحديد، وتشغيل مطار القليعات لوجستياً). وتُفسَّر لغة الوفاء التي استخدمها الشيباني تجاه طرابلس كخطوة لكسر العزلة الاقتصادية وإنعاش عكار والشمال بعيداً عن حسابات الهيمنة والوصاية القديمة.
أطروحة الجغرافيا الرهينة ومقص الطاقة: على المقلب الآخر، يحذر التحليل البنيوي النقدي من “فخ الاستقرار الزائف”؛ حيث يُخشى أن يكون الاندفاع نحو طرابلس محاولة للاستحواذ الإستراتيجي المبكر على ممرات الطاقة والربط الإقليمي في شرق المتوسط. وبذلك، يتحول الإنماء الموعود إلى أداة ضغط مستقبلي يربط الشمال بتنازلات أمنية وسياسية كبرى تتخطى قدرة الدولة اللبنانية على المناورة.
رابعاً: الملفات الأمنية وإرث الصراع (ملف الموقوفين الإسلاميين وضبط السلاح)
في عمق المحطة الشمالية، برزت القضايا الأمنية وإرث الجهادية المسلحة (مثل حركات حراس الدين) كملفات بالغة الحساسية:
أفق التبريد والتنسيق القضائي: يرى اتجاه أن إثارة ملف الموقوفين الإسلاميين عبر القنوات الرسمية يعكس رغبة في تصفية ذيول الحرب السابقة بأسلوب حواري يفكك العقد الأمنية، مما يسهم في سحب فتيل التوتر الطائفي والسياسي وإرساء أسس الاستقرار.
أفق المقايضة وإعادة الهندسة: في المقابل، يرى التحليل الحذر أن طرح هذه الملفات ينطوي على محاولة لإعادة هندسة الساحة الأمنية الشمالية تحت مسمى مكافحة الإرهاب، حيث يُخشى استخدام ملف الموقوفين كأداة للمقايضة واحتواء القوى المحلية، بينما تظل الفاعلية الأمنية مرهونة بمدى قدرة الدولة على بسط سلطتها دون تفاهمات جانبية.
بين براغماتية المصالح وصراع الأنقاض
في الخلاصة التحليلية، تكشف زيارة أسعد الشيباني أن المشرق العربي لعام 2026 يتشكل فوق تضاريس موازين القوى الباردة والبراغماتية التجارية. وبينما يرى اتجاه فكري في هذه الزيارة بوابة عبور نحو علاقات ندية تكاملية تعيد صياغة التوازنات وتضع حداً لتفرد فائض القوة بالقرار اللبناني، يرى اتجاه آخر فيها خطوة ذكية لإعادة إدارة “الساحة المكشوفة” لصالح توازنات إقليمية جديدة. ويبقى السؤال المصيري معلقاً برسم الأيام: هل تمتلك النخب اللبنانية القدرة على تلقف هذا التحول بموقف سيادي موحد، أم سيبقى الكيان ساحة لتصفية الحسابات وانتظار مَن سيرث الأنقاض؟
