
بقلم راما الجراح
في أول زيارة رسمية له إلى بيروت، أجرى وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني سلسلة لقاءات مع المسؤولين اللبنانيين، تُوّجت بتوقيع اتفاقية إنشاء اللجنة العليا اللبنانية – السورية المشتركة، في خطوة تُعد مدخلاً لإعادة تنظيم العلاقات بين البلدين ضمن إطار مؤسساتي يهدف إلى معالجة الملفات المشتركة وتعزيز التعاون الثنائي.
وتأتي هذه الزيارة في ظل مرحلة سياسية جديدة في المنطقة، أعادت فتح النقاش حول مستقبل العلاقات اللبنانية – السورية، وإمكانية الانتقال من إرث السنوات السابقة إلى علاقة تقوم على الندية واحترام سيادة الدولتين والمصالح المشتركة.
وفي حديث خاص مع الكاتب السياسي علي الأمين أشار لـ”ديمقراطيا” إلى أنه “لطالما كنا نؤكد على أهمية بناء علاقة لبنانية – سورية متوازنة، قائمة على الندية والمصالح المشتركة بين البلدين، والاستفادة من تجربة العلاقة خلال مرحلة نظام الأسد، التي شكّلت برأينا أسوأ نموذج للعلاقات اللبنانية – السورية، بفعل الوصاية التي فُرضت على لبنان، والتي انعكست سلباً على الحياة السياسية وألحقت الضرر بمصالح الشعبين”.
ويضيف “نسمع دائماً من المسؤولين السوريين، وعلى رأسهم الرئيس أحمد الشرع، مواقف إيجابية تجاه لبنان، تقوم على احترام سيادته ورفض التدخل في شؤونه الداخلية، خصوصاً في ظل ما أُثير عن أدوار خارجية مفترضة لسوريا في الداخل اللبناني. هذه المواقف لاقت ارتياحاً لدى شريحة واسعة من اللبنانيين، ويمكن قراءة زيارة الشيباني إلى بيروت في سياق تثبيت هذا التوجه، وبناء علاقة دولة مع دولة قائمة على الثقة المتبادلة”.
ويتابع “الإعلان عن توقيع اتفاقية إنشاء اللجنة العليا اللبنانية – السورية المشتركة يشكّل مدخلاً طبيعياً لإعادة دراسة كل الملفات المشتركة، سواء على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، أو في ما يتعلق بملف الحدود والتنسيق بين البلدين، إضافة إلى القضايا الأمنية، ومنها مسألة السلاح خارج إطار الدولة وانعكاسه على العلاقات الثنائية، فضلاً عن ملف الاحتلال الإسرائيلي والتحديات المشتركة في الجنوبين اللبناني والسوري”.
ويعتبر الأمين أن “المجلس الأعلى اللبناني – السوري يفترض أن يُعاد النظر به أو يُلغى، لأنه نشأ في مرحلة الوصاية السورية على لبنان، وبالتالي لم يعكس توازناً حقيقياً في المصالح بين الدولتين، بل جاء في سياق اختلال واضح في العلاقة. ومن هنا تأتي الحاجة إلى إعادة قراءة كل الاتفاقيات السابقة وإعادة تنظيم العلاقة على أسس جديدة تتناسب مع الواقع الحالي”.
ويضيف “هناك عوامل عربية وإقليمية ودولية مساعدة اليوم يمكن أن تتيح للبنان وسوريا فرصة الوصول إلى صيغة تعاون جديدة قائمة على المصالح المشتركة”.
ويشير إلى أن “جزءاً من الرأي العام اللبناني لا يزال أسير صورة المرحلة السابقة من العلاقة مع سوريا، ويتعامل مع القيادة الحالية من هذا المنظار، في حين أن الواقع تغيّر. وبالتالي، من الضروري طي صفحة الماضي وبناء مقاربة جديدة تستند إلى الوقائع لا إلى الذاكرة السياسية فقط”.
ويختم الأمين بالقول: “حتى الآن، لا توجد مؤشرات على تدخل سوري في الشأن اللبناني أو محاولة للعودة إلى أساليب النفوذ السابقة، بل هناك توجه واضح نحو بناء علاقة دولة مع دولة عبر المؤسسات الرسمية. وهذا يتطلب من الجانب اللبناني أيضاً مقاربة إيجابية تستفيد من هذا المناخ، بما يخدم مصالح البلدين، خصوصاً في ظل الأزمات الاقتصادية والمالية التي يواجهها الطرفان، والتي تجعل من التعاون فرصة حقيقية لإعادة الترميم السياسي والاقتصادي في المرحلة المقبلة”.
