بقلم الياس عيسى الياس

الياس في زواريب الوجع اللبناني الممتد، تلتقي عيناك بأمهاتٍ أكل العمر عيونهن في انتظارٍ لا ينتهي. البارحة، كانت إحداهن تطأ ثرى المقبرة بخطوات وئيدة، تنوء تحت وطأة فجيعتها.
 
وحين دار الحديث بيننا حول البكاء، بوصفه غريزة إنسانية جعلها الله متنفساً للنفوس، شاحت بوجهها المثقل بالهموم وقالت بنبرة خافتة: “بيزعل إذا ببكي… قالت لي جارتي إن دمعتي تُعذّب روحه. ويقولون لنا دائماً: اصبروا، وافتخروا بشهادته، ولا تُظهروا الانكسار”.
 
هذا البوح العفوي المغمور باللوعة لا ينطلق، في حقيقة الأمر، من أصل فقهي أو تعليم رسمي يحظر الدموع؛ ففي الثقافة الشيعية عموماً، يُعتبر البكاء على الفقد والشهادة جزءاً أصيلاً ومقبولاً من الهوية الروحية المستمدة من الإرث العاشورائي، حيث ترتفع الدمعة إلى مرتبة الموقف والالتزام الروحي.
 
غير أن المأساة هنا لا تكمن في وجود سلطة إكراه مادي أو فتاوى زجرية، بل في ما أسماه عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو بـ “العنف الرمزي”؛ وهو ذلك الضغط الخفي الذي يمارسه المجتمع عبر الخطابات السائدة، لدرجة تجعل الضحية تتشرّب هذه القناعات وتتبناها طواعية، لتتحول الأم ــ دون وعي ــ إلى رقيبٍ صارم يكتم خلجات قلبها.
 
فعندما يرتكز الخطاب التعبوي على محورية الصمود، والافتخار بالتضحية، وإظهار الصلابة كأداة في الحرب النفسية، يفرز هذا الإلحاح المكثف سياقاً اجتماعياً يتحول فيه الحزن الطبيعي إلى “أداء مفروض”.
 
تجد الأم نفسها حائرة بين غريزتها الفطرية التي تدفعها للانكسار والحزن، وبين ضغط الصورة النمطية لـ “أم الشهيد المستبشرة” التي يصدّرها الإعلام وهي توزع الحلوى فوق النعش. هذا التوقع الاجتماعي الساحق يولد شعوراً ذاتياً بالذنب، ويصم الدموع التلقائية بالضعف أو التشكيك المبطن بقيمة التضحية؛ وهي ظاهرة بنيوية لا تنفرد بها هذه الساحة دون غيرها، بل تتشابه فيها معظم خطابات التحشيد في تاريخ الحروب اللبنانية، حيث تُسحق دائماً الوجوه الفردية الباكية تحت ركام الشعارات الجماعية الصماء.
 
ولا تقف هذه التعبئة النفسية عند حدود التوجيهات الاجتماعية، بل تجدمستندها الدلالي الفعّال في لغة الخطاب السائد، وتحديداً في استخدام أوصاف مكثفة مثل لقب “السعيد” للإشارة إلى الراحل. هنا، ينزاح المصطلح من رتبته الروحية الغيبية، ليتحول إلى أداة إجرائية لضبط المشاعر وتوجيهها.
 
فبمجرد إحاطة الابن بلقب “السعيد”، يرتسم أمام الأم جدارٌ غير مرئي من الحرج الأخلاقي. تقع المرأة في فخ ذنب مصطنع يُشعرها بأن حزنها الشخصي أو لوعتها الإنسانية باتا بمثابة خطيئة مبطنة، أو تشكيك في هذه السعادة الموعودة. وبدلاً من أن تلقى المواساة، تواجه مفاهيم مصمتة توحيلها بأن دمعتها إساءة لولدها، مما يضطرها لسرقة لحظات خاطفة من الوحدة لتجهش بالبكاء بعيداً عن أعين الرقباء.
 
وفي المقابل، تتجلى مفارقات هذا الإكراه الرمزي بوضوح عند تفكيك سيكولوجية الخطاب السياسي العام وكيفية تنظيمه للمشاعر الإنسانية وتأميمها.
 
ففي مراسم التشييع الرسمية الأخيرة التي شهدتها العاصمة الإيرانية طهران، رصدت العدسات وشاشات البث المباشر لقطات لقيادات رفيعة من حزب الله وهم ينتحبون بغزارة ويبكون بحرقة أمام النعش، دون أن يخدش ذلك صورتهم القيادية.
 
إن رصد هذا التباين لا يهدف إلى التماس “صك مشروعية” للمشاعر الفردية، بل إلى إضاءة تلك الآلية التي تحتكر الحق في التعبير؛ حيث يُشرعن الحزن الجماعي العارم علانية، ويُحتفى به كدليل “وفاء عقائدي وسياسي” عندما يصدر عن النخبة وفي سياق يخدم المشهدية العامة، فيحين تُلام المرأة البسيطة بالهمس والغمز ووعظ الجارات إن هي استسلمت لأساها خلف الأبواب المغلقة.
 
إنه نمط من الهيكلية العاطفية التي تبيح البكاء في المحافل الكبرى كرسالة سياسية، وتحرمه في البيوت لئلا يخدش متانة التماسك الجماعي.
 
هذه الآلية التي تصادر دمعة الفقد البشري، هي ذاتها التي تتمدد لتصادر الحق في رثاء الحجر؛ إذ لا يتوقف تأميم الألم عند حدود البشر بل يتعداه إلى الأنقاض.
 
فحين يطالعنا من يقف وسط الركام رافعاً شارة النصر بابتسامة عريضة، ينفصل الشعار تماماً عن كلفته البشرية والنفسية. إن فرض الاحتفال فوق حطام بيوتٍ أُفنيت في تشييدها أعمارٌ من الكد، ودون إتاحة برهة واحدة للحزن الصادق، يسعى إلى محو الذاكرة الفردية واستبدالها بالذاكرة الجمعية للأيديولوجيا السائدة.
 
وحين ترتفع أصوات عفوية تبكي منزلاً تداعى أو شقى عمر تبدد، يوصم أصحابها على الفور بـ “وهن العزيمة”، متناسين أن البيوت ليست أحجاراً صماء، بل هي مستودع الحكايات، ومسرح الطفولة، والملاذ الأخير للهوية.
 
إن حرمان البشر من حق البكاء على جراحهم وأطلالهم هو محاولة لاختزال الكائن الإنساني إلى مجرد رقم صامت في معادلات التوازنات الإقليمية والاستراتيجية؛ فحين يُجرّد الفرد من حقه الفطري في الانكسار تحت ثقل الوعي بالفقد، لا نكون إزاء انتصار للقيم، بل إزاء ثقافةٍ جائرة قررت أن محاكمة الفطرة الإنسانية هي الصواب.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top