لبنان في عين العاصفة الجيوسياسية(3-2): كواليس اتفاق واشنطن، العهدالجديد، وقلق الأقليات والكانتونات

بقلم نزار شاكر

بعد تفكيك النواة البنيوية وتأثير المحور السوري في الجزء الأول، ينتقل هذا الجزء الثاني من السلسلة لرصد خطوط التفاوض الدولية الساخنة بين واشنطن وطهران، والواقعية العربية الجديدة، وملامح العهد الرئاسي الانتقالي، وصولاً إلى تصاعد الهواجس الوجودية ومآلات التقسيم المقنّع على الأرض.

خامساً: المربع الإقليمي والدولي (الواقعية السعودية وحافة تفاوض واشنطن-طهران)

يقف لبنان التاريخي والسياسي في نقطة التقاطع الحادة بين عواصم القرار الدولي والإقليمي، حيث تُصاغ المعادلات خلف الكواليس لتُترجم في ساحاته:
الواقعية السعودية الباردة وعهد الدوسري: تمارس الرياض اليوم سياسة براغماتية صارمة ومنزوعة العواطف التاريخية؛ فلم تعد مستعدة لتقديم شيكات على بياض في “سلة مثقوبة” تستفيد منها قوى مناوئة لها. وتقود السعودية مساراً عاقلاً يربط الدعم المالي بإصلاحات بنيوية حقيقية والتعامل المؤسساتي مع العهد الجديد. ويتجلى هذا التوجه بوضوح مع تسلّم السفير الجديد فهد الدوسري لمهامه في بيروت في حزيران 2024، ليدشن مرحلة الانتقال من “دبلوماسية الترقب” إلى “دبلوماسية المقايسة والمراقبة اللصيقة”، حيث تختبر الرياض مدى قدرة العهد على تقديم ضمانات سيادية ملموسة. فالهدف هو الحفاظ على حد أدنى من استقرار الهيكل اللبناني لمنع تحوله إلى ساحة فوضى مطلقة، ولكن بأسلوب إدارة غير مباشر وبشرط سياسي حازم.

المحور الأمريكي-الإيراني وحافة التوقيع في واشنطن: تعكس المفاوضات الجارية منذ منتصف 2026 تداخلاً صارخاً للملفات؛ فطهران تستخدم ورقة “جبهة الجنوب” وجاهزية حزب الله العسكرية كرافعة تفاوضية كبرى في ملفاتها الإقليمية، وهنا تصطدم لغة “الواقعية التقنية” بلغة الميدان المستعرة. ولم يعد هذا التداخل حبراً على ورق التوقعات؛ إذ كشفت الديناميكيات الأخيرة المتسارعة في واشنطن عن وصول المفاوضات بين لبنان وإسرائيل إلى مراحلها الحاسمة والأخيرة باتجاه صياغة “اتفاق إطار” شامل ينهي التصعيد الأمني. بيد أن اللبس الصاخب الذي حصل جراء التناقض في القراءات والتأويلات حول مضامين المسوّدة —بين من رآها تسوية تقنية دبلوماسية لتثبيت الحدود البرية وتطبيق القرار 1701، وبين من اعتبرها تراجعاً استراتيجياً قسرياً تحت وطأة النار— يعكس جوهر الكباش التفاوضي الأخير. هذا اللبس ليس مجرد تباين إعلامي، بل هو مناورة ربع الساعة الأخير التي يمارسها الخصوم لرفع السقوف قبل التوقيع النهائي، وتظهير التنازلات ببراعة أمام الجبهات الداخلية لكل طرف.

سادساً: ملامح العهد الجديد (الرئيس جوزيف عون ومهمة “قفل النيشان”)
وسط هذا التكالب الخارجي والانهيار الداخلي، تبلور المشهد السياسي بوصول الرئيس جوزيف عون إلى سدة الرئاسة في 9 كانون الثاني 2025، ليقود عهده وسط هذه الأمواج العاتية. ولم يأتِ هذا التطور كملءٍ تقليدي لمنصب شغر طويلاً، بل جاء كانعكاس مباشر لتقاطع توازنات القوى الدولية والإقليمية التي بحثت عن شخصية قادرة على إدارة مرحلة انتقالية فائقة الخطورة؛ لإنقاذ الموقع من دوامة التعطيل السابقة.

يطرح الرئيس جوزيف عون عهده كخيار واقعي لـ “قفل نيشان” مرحلة الانهيار السابقة، والعبور نحو سلطة قادرة على استعادة التوازن، مستنداً إلى رصيد كبير من الثقة الدولية والعربية نظير الحفاظ على تماسك المؤسسة العسكرية. وتكمن المعضلة الكبرى أمام العهد الجديد في كيفية قيادة مسار إصلاحي يطمئن العرب والغرب مالياً وأمنياً، وفي كيفية تطبيق مندرجات “اتفاق الإطار” برياً وميدانياً، والتعامل بحذر شديد مع واقع سلاح حزب الله وفيتو الميدان لتفادي انفجار الساحة.

سابعاً: الهواجس الوجودية للأقليات (أزمة المسيحيين وسؤال العقد الاجتماعي)
أمام هذا التآكل المؤسساتي وسيطرة منطق القوة، يعيش الوجدان المسيحي اللبناني قلقاً وجودياً ناتجاً عما يصفه الباحثون بـ “الضمور الديموغرافي والسياسي” مقابل التنامي السني والشيعي، وهو ما يتقاطع مع فكرة تآكل “الدولة الوظيفية” الحامية للأقليات في الشرق الأوسط.

ويتجلي هذا المأزق المسيحي في شعور الشارع بـ “الإحباط والتهميش” نتيجة قضم صلاحيات الرئاسة تاريخياً، والانهيار المالي الذي ضرب مدخرات الطبقة الوسطى (التي يشكلون عمودها الفقري والفكري) وخسرت أكثر من 90% من قيمتها منذ 2019، فضلاً عن الهجرة الكثيفة للنخب التي قُدّرت بـ 300 ألف مهاجر منذ الأزمة. هذا الواقع يدفع النخب والشارع المسيحي (لا سيما بكركي وبعض الأحزاب السياسية البارزة) إلى التلويح المستمر بطروحات “اللامركزية الإدارية والمالية الموسعة” أو حتى الأفكار الفيدرالية كآلية حماية ذاتية؛ لشعورهم العميق بأن “الصيغة القديمة” لنظام 1920 وطائف 1989 قد ماتت سريرياً وعملياً، وأن الإقليم يذهب نحو عقد اجتماعي وسياسي جديد يُبنى على موازين القوى الديموغرافية والعسكرية الحالية، لا على التوازنات التاريخية البائدة.

ثامناً: مآلات الهيكل اللبناني (الالتقسيم المقنّع وبنية الكانتونات الموازية)
بناءً على انسداد أفق الصيغة المركزية القديمة، ومع الإعلان الإسرائيلي المتكرر منذ 2024 عن ضم “مرتفعات استراتيجية” في صلب الجغرافيا الحدودية لفرض واقع صلب بالقوة، محاولاً رسم حدود أمنية جديدة تلتهم الجغرافيا التحتية للمنطقة، يطرح السؤال المصيري نفسه: هل التقسيم بات خياراً حتمياً؟

تجيب “الواقعية البنيوية” في العلاقات الدولية: إن التقسيم الجغرافي الرسمي (تأسيس دولتين أو ثلاث معترف بها) يبقى خياراً مستبعداً دولياً وإقليمياً؛ نظراً لكلفته الأمنية الباهظة جداً والتي قد تفجر المشرق العربي كاملاً، فضلاً عن التداخل الجغرافي المعقد جداً للكانتونات الطائفية اللبنانية الذي يجعل الفرز مستحيلاً دون مجازر ديموغرافية وعمليات تطهير قسرية.

ولكن، ما يحدث على الأرض حالياً هو “التقسيم المقنّع” أو “التقسيم البنيوي بحكم الأمر الواقع”:
كانتون أمني وعسكري موازٍ: تديره الشيعية السياسية ويمتد من الضاحية الجنوبية إلى الجنوب والبقاع، وله شبكاته الإقليمية الخاصة واقتصاده المالي الموازي البعيد عن المنظومة المصرفية الرسمية.

كانتونات اقتصادية واجتماعية تسييرية: مسيحية، وسنية، ودرزية تعيش تسييراً ذاتياً لأمورها اليومية الحياتية عبر الأمن الذاتي، ومنظومات الطاقة البديلة، والجمعيات الأهلية، والاعتماد المباشر على تمويل المغتربين، معلنةً الكفر الضمني بالدولة المركزية وعجزها، وهو الانكفاء الذي تضاعف أثره مع حالة التشتت والفراغ السياسي التي أصابت مركز القرار السنّي في العاصمة.

إن لبنان ينزلق اليوم تحت ظلال الصراع نحو صيغة “الفيدرالية المستترة”؛ فالجميع يعلم تحت الطاولة الدولية أن صيغ الماضي قد انتهت صلاحيتها، والبحث الجاري اليوم بين عواصم القرار يتمحور حول شكل العقد الاجتماعي والسياسي القادم: هل ستنجح إدارة الرئيس جوزيف عون في هندسة عبور آمن نحو لامركزية مالية موسعة تحفظ لكل طائفة خصوصيتها وأموالها وتدير التعددية بمرونة، أم أن ديناميكيات الواقع وتآكل المركز سيتجاوزان الجميع نحو فيدرالية صريحة تُشرعن حدود الكانتونات القائمة على الأرض؟

في الجزء الثالث والأخير: ننتقل لتفكيك البنية التحتية للاقتصاد البديل، والابتزاز النفطي في حقول الغاز، وضغوط الخماسية من “جنيف” إلى “إيفيان”، وصولاً إلى استشراف مسارات العقد القادم والوراثة التاريخية للكيان.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top