
بقلم خالد صالح
حين يصبح قلب الإنسان حفرة لا تمتلئ ..
هناك بشر لا يريدون الحياة، بل يريدون ما في يد غيرهم، ولا يسعون إلى بناء أنفسهم، بل إلى اقتلاع ما بناه الآخرون ..
الطماع لا يجوع لأنه فقير، بل لأن داخله حفرة لا يمتلئ قاعها مهما ابتلع، إنه ذلك الإنسان الذي يرى نعمة غيره كإهانة شخصية له، فيحوّل الإعجاب إلى حقد، والرغبة إلى استباحة، الطمع ليس حب التملك، بل هو شعور خفي بأن العالم مدين لك بكل شيء ..
حسنًا فعل موقع “ديموقراطيا نيوز” بتسليط الضوء على “خلية بدارو” تحت سؤال جوهري ومركزي “مَن يقف خلف خلية بدارو؟”، لأن المسار الذي سلكته هذه الخلية منذ ولادتها يشي بالكثير من علامات الاستفهام ويطرح المزيد من الأسئلة حول ماهيتها والدور المنوط بها، بالإضافة إلى السؤال الكبير: ما هو المشروع الذي تحمله هذه الخلية؟..
هذا الموضوع أعادني إلى رواية “دون ديخوتيه” للكاتب “سيرفانتس” أو التي اعتدنا تسميتها “دونكيشوت”، هذا الرجل “دون ديخوتيه” لم يكن مجنونًا، بل كان يعيش في عالم افتقدُ فيه المعنى، فاخترع لنفسه “المعنى” وارتدى درع الفروسية وامتطى حصانه الهزيل وخرج معه رفيقه “سانشو بانزا”، بحثًا عن أي معركة تليق بصورة “البطل” الذي يُحب أن يكون عليها، وعندما لم يجد عدوًا حقيقيًا صنع عدوًا من خياله ودخل في الوهم فأصبح يرى في “طواحين الهواء” جيوشًا يجب أن تُهزم، لم يكن “دونكيشوت” يعلم أن المشكلة ليست في الطواحين بل في ملء الفراغ الذي دفعه كي يرى أنها تمثل الأعداء ..
اليوم حالة “دونكيشوت” لم تعد تمثل “حالة فردية” تعني شخصًا بمفرده في رواية قديمة، هذا المصطلح تحوّل إلى “متلازمة” سياسية واجتماعية تضرب مجتمعًا بأكمله، عندما يختفي المعنى من المجال العام، أو أثناء تراجع “سردية الحقيقة” أو عندما تصبح لغة الحقيقة عاجزة عن تفسير “الواقع” فمن الطبيعي حينها أن ينشأ فراغ في الوعي، والفراغ في السياسة لايظلّ فراغًا لمدة طويلة لأنه سرعان ما يملؤه أمرٌ آخر، وغالبًا ما يمتلئ بـ “الصوت الأعلى” لا بـ “الحقيقة الأعمق” ..
عندما تغيب “سردية الحقيقة” للواقع لايختفي الناس، بل يذهبون للبحث على سرديات بديلة، وهذا هو بالضبط ما تفعله “خلية بدارو”، وعندما يعجزون عن إيجاد قصة واضحة مبنية على حقائق دامغة ووقائع ثابتة ومؤكدة، يبدؤون بكتابة قصصهم الخاصة، بعض هذه القصص ينمّ عن جهل في عقولهم، وبعضها يدلّ على قلق في أعماقهم، والبعض الآخر خطير، وأخطرها على الإطلاق ذلك النوع من القصص التي تمنح صاحبها الشعور بـ “البطولة” .. حتى لو كان العدو المفترض مجرد “وهم” ..
في زمن “طوفان” مواقع التواصل الاجتماعي لم يعد الناس ينتظرون الصحف أو نشرات الأخبار لمعرفة ماذا يدور حولهم، فقد تحوّل الهاتف الصغير إلى “غرفة عمليات” كاملة، فيه كل شيء، صور، فيديوهات، تحليلات، إشاعات، نظريات مؤامرة، مشاعر غاضبة، وربّما بعض الحقائق، أمام كل هذا الدفق المعلوماتي لا يُنتج “المعرفة” بالضرورة، بل يُنتج كمًّا هائلًا من “الكذب”، الكاذب لا يخدع الآخرين، بل يهرب من مواجهة نفسه، وهو أمر مثير للشفقة من مجموعة اعتادت الكذب حتى ظنّت أن الحقيقة هي العيب الوحيد في حياتها.
أمام هذا الأمر بدأت المتلازمة “الدونكيشوتية” التي تمارسها “خلية بدارو” بالظهور، ليس كحالة اجتماعية، بل كـ “مرض نفسي” يواكبهم في سرّائهم وضرائهم، لاسيما عندما يحاولون الإيحاء للناس بأنهم محاصرون ومهددون ومستهدفون، لذلك يجهدون في البحث عن معركة تمنحهم القيمة والمعنى، ولدى عجزهم عن إيجاد هذه المعركة الحقيقية يقومون باختراع معركة وهمية من بنات أفكارهم، ولأنه لايوجد لديهم هدف واضح وخصم معروف لأنهم فارغون من البرامج، يصنعون من جهة معينة عدوًا واضحًا في مخيلتهم فقط، ويندفعون بكل حماس ذلك الفارس لإثبات شجاعتهم .
المشكلة أن المعارك الوهمية التي تخوضها “الدونكيشوتية – البدراوية” لا تستهلك طاقة المجتمع، بل هي محاولة للاستقطاب لخلق حالة تودي إلى فتح الباب أمام نزعات “شوفينية” عقيمة، لأنها تقدّم للناس معلومات ساذجة جدًا عن مواضيع مهمة ولن تثنيهم هذه المعلومات عن مواقفهم، فقط لأن هذه الحالة المرضية تجهد في البحث عن “هوية صلبة” في زمن أطاح بهم خارج الإطار الفعلي وقذف بهم في الدائرة الوهمية التي ابتكروها .
“الوهم” الذي تعيشه “خلية بدارو” ليس بالضرورة نتاج الكراهية أو الحقد على هذا الفريق أو ذاك، بل هو نتاج “الفراغ” الذي بلغته، ومن غياب المعنى الحقيقي لهم والشعور بأنهم أصبحوا على الهامش بعدما فقدوا مراكزهم ومواقعهم الاعلامية وباتوا على هامش الأحداث، فأصبحت أرواحهم مع مرور الوقت مثل بئر بلا ماء، مهما امتلأت تبدو فارغة .. والمشكلة أيضًا في الحالة “الدونكيشوتية – البدراوية” أنهم فارغون المضمون كليًا، لا رؤيا ولا برامج ولا حلول، جلّ ما في الأمر “أصوات عالية” تقرقع على صفحات التواصل الاجتماعي، وتزعق على منصاب “البودكاست”، وسرديات أشبه بحكايا الجدة لأحفادها في ليلة شتاء ماطرة، من دون أي قدرة على تقديم تصوّر يُبنى عليه، فـ “الكاذب” لا يمتلك مهارة خارقة في تضليل الآخرين، بل يمتلك خوفا استثنائيًا من أن يُرى كما هو، إنه لا يختلق الأكاذيب لأنه قوي، بل لأنه يعجز عن الوقوف عاريًا أمام ذاته، فالحقيقة تحتاج إلى شجاعة، أما الكذب فلا يحتاج إلا إلى ذاكرة جيدة، ومعظم من يكذبون ذاكرتهم تفضح كذبهم ..
الإنسان لا يفقد إنسانيته حين يخطئ، بل حين يتوقف عن مراجعة نفسه، وحين يُصبح الكذب عادة، والخداع أسلوبا، وتقليد الآخرين هويةً، فإنه لا يكون قد خدع العالم، بل يكون قد أعلن إفلاسه أمام مرآته ..
لذلك، قبل أن نسأل “خلية بدارو” ماذا استفدتم من خداع الناس؟ .. نسأل السؤال الأشد قسوة: ماذا بقي منكم بعد أن فقدتم القدرة على أن تكونوا اكثر صدقًا مع أنفسكم؟ ..
