لبنان في عين العاصفة الجيوسياسية(3-3): اقتصاد الكانتونات, الغاز،ومسارات الهندسة الدولية*

​بقلم: نزار شاكر

​وصولاً إلى محطة الختام من هذه السلسلة التحليلية، ننتقل من تشخيص البنية السياسية والمؤسساتية وصراعات المحاور، إلى تفكيك الجغرافيا البديلة والأدوات الجيوسياسية للضغط؛ لنشرح كيف يساهم اقتصاد الكاش، وحقول الغاز، والضغوط الدولية في إعادة هندسة الوراثة التاريخية لهيكل الكيان.

​تاسعاً: اقتصاد الكانتونات وتحويلات المغتربين (المحور الداخلي وفخ الاستقرار الزائف)

​إن الانهيار المؤسساتي الرسمي لم يؤدِّ إلى فراغ اقتصادي كامل، بل ولّد منظومة “اقتصاد ما بعد الدولة” تُدير البلد فعلياً عبر ثلاثة شرايين موازية: اقتصاد التحويلات النقدية من المغتربين الذي يتجاوز 6.5 مليار دولار سنوياً وفقاً للبنك الدولي، واقتصاد الكاش والدولار “الفريش” خارج المنظومة المصرفية المنهارة، واقتصاد التهريب والحدود المفتوحة مع سوريا.

ويرى البنك الدولي في تقاريره عن لبنان أن هذه الدورة المالية الموازية هي السبب الرئيس في منع الانهيار الكامل والانفجار الاجتماعي، ولكنها في الوقت ذاته تقتل أي حافز للإصلاح البنيوي؛ لأن النخب الطائفية والإدارات الموازية تستفيد مباشرة من استمرار تآكل الدولة المركزية وسيطرتها الحصرية على هذه الشرايين البديلة. وهنا يبرز السؤال البنيوي الحاسم: من يمسك فعلياً بمفاتيح هذه الشرايين الثلاثة اليوم؟ وأي كانتون حوّل استفادته العرضية من ضعف المركز إلى بنية تحتية موازية دائمة له مصلحة مباشرة في إدامتها؟ فبدون تسمية الفاعل يبقى التشخيص عاماً ولا يؤدي إلى مساءلة.
​المعضلة البنيوية هنا هي “فخ الاستقرار الزائف”؛ فطالما بقيت التحويلات والكاش تغطي عجز الدولة، يغيب الضغط الشعبي الجامع للإصلاح, وتتحول البلاد إلى اقتصاد ريعي جديد قائم على الصمود الفردي لا على الإنتاج المؤسساتي، مما يكرّس شرعية الكانتونات الاقتصادية على حساب شرعية الدولة.

​عاشراً: إسرائيل وحقول الغاز كأداة ضغط بنيوية (سلاح الطاقة ومقص الابتزاز المعطل)

تجاوزت تل أبيب منطق الردع العسكري التقليدي إلى “هندسة الجغرافيا” عبر تثبيت أمر واقع على الحدود البرية وفرض خط بحري بموجب الاتفاق البحري لعام 2022. لقد حوّل ملف حقل قانا/كاريش الاقتصاد اللبناني إلى رهينة استراتيجية: لا استثمار غازياً بلا استقرار جنوبي، ولا استقرار جنوبياً بلا تسوية أمنية مع إسرائيل. وتُقدّر احتياطات حقل قانا الافتراضية القابلة للاستخراج بنحو 3.5 تريليون قدم مكعبة، أي ما يعادل 70 مليار دولار بسعر السوق وفقاً لتقديرات شركة توتال الأولية.

وتؤكد أدبيات “الواقعية التجارية” في تقارير معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي INSS أن الغاز لم يعد مورداً اقتصادياً فحسب، بل سلاح جيوسياسي؛ إذ تربط إسرائيل فتح شهية الاستثمار في حقول لبنان بشروط أمنية على الحدود، بينما يستخدم “فيتو الميدان” ربط الجنوب بورقة تفاوض إقليمية أوسع، مما يحشر لبنان بين حقل غاز لا يُستخرج وجبهة لا تهدأ. إلا أن مقص الطاقة لا يشتغل من الخارج فقط. فالسؤال الداخلي الموازي: من يستخدم ملف الغاز كأداة ابتزاز داخلية؟ وأي قوى ترفض صيغة تقاسم وطنية عادلة قبل ترتيب حساباتها الكانتونية؟ فالغاز قد يتحول من جزرة جيوسياسية إلى قنبلة تقاسم داخلية إذا لم تُحسم قواعد الإدارة والشفافية قبل الاستخراج.

التحدي الأكبر هو “مقص الطاقة”؛ فلبنان عاجز بين عدم قدرة الدولة على تأمين الاستثمار، وخطر تحويل أي مداخيل مستقبلية إلى مصدر صراع داخلي بين الكانتونات، أو هدف مباشر لابتزاز إقليمي، لا سيما بعد الجمود التقني الكلي وإعلان ائتلاف الشركات بقيادة “توتال إنيرجيز” عن نتائج مخيبة للآمال في عمليات الحفر الاستكشافية بالبلوك رقم 9. هذا المعطى أرسل إشارة واضحة للمنظومة: لا استخراج للثروات القابعة في قعر المتوسط من دون ضمانات أمنية إقليمية شاملة، مما جعل من الغاز أداة تعطيل لا أداة نهوض، وجزرة جيوسياسية معلقة في حبال التسوية.

​حادي عشر: أدوات إعادة الهندسة وضغوط الخماسية (من جنيف إلى إيفيان والديناميكية الأمريكية الجديدة)

انتقل المجتمع الدولي والإقليمي من منطق الدعم المالي المباشر العشوائي إلى منطق “إعادة الهندسة الهيكلية” عبر أدوات ضغط متعددة المستويات، تتقاطع وتتصادم داخل “اللجنة الخماسية” [أمريكا، فرنسا، السعودية، قطر، مصر] وعواصم القرار الدولي، وتحديداً تحت عباءة الترتيبات التي تجاوزت المقاربات التقليدية في “جنيف” لتُهندس مباشرة بغطاء قمة مجموعة السبع G7 الأخيرة في “إيفيان” برعاية فرنسا والاندفاعة الحاسمة للإدارة الأمريكية الحالية الساعية لفرض صفقات تسوية كبرى وشاملة:

  • ​المقاربة الأمريكية-الفرنسية: تُستخدم العقوبات الفردية على منظومة الفساد والمحاصصة، وقوانين الضغط المالي، كرافعات مركزية لإرباك شبكات المصالح الطائفية وإجبار المنظومة على القبول بمعادلات سيادية جديدة تحت سقف شروط “اللجنة الخماسية” الإصلاحية، وبموجب التزامات قمة “إيفيان” الصارمة لترتيب شؤون المشرق. لكن يبقى السؤال المنهجي: هل تفكك العقوبات الفردية المنظومة فعلاً، أم أنها تنتج نخباً بديلة أكثر براغماتية وتحت الطاولة تعيد إنتاج المحاصصة بوجه جديد وأدوات أخف؟
  • ​التمايز والوساطة العربية (الدور القطري والمصري): في مقابل “الواقعية السعودية الباردة”، يبرز الدور القطري والنشاط المصري كعاملين حيويين لمنع السقوط الكامل للهيكل؛ إذ يمثل الدور القطري شريان دعم مالي ولوجستي مباشراً ومستداماً للمؤسسات العسكرية والأمنية اللبنانية للحفاظ على تماسكها، فضلاً عن مرونة دبلوماسية تعمل على تدوير زوايا الخلاف الحادة بين واشنطن وطهران لإنتاج مخارج مقبولة. وتتحرك القاهرة بالتوازي لإيجاد توازن سياسي يمنع الاستفراد بالساحة اللبنانية ويحمي هويتها المؤسساتية. ومع ذلك، يبقى سقف هذا التمايز مفتوحاً على سؤال مركزي: هل يكفي الدعم القطري والمصري لاحتواء الانهيار دون توافق سعودي ضمني على مندرجات أي تسوية كبرى؟
  • ​الهلع الأوروبي ومعضلة النازحين: من زاوية أخرى، يتحكم “الهلع الأوروبي” (تحديداً بروكسل وفرنسا) من ملف النازحين السوريين وصعود قوارب الهجرة غير الشرعية عبر المتوسط نحو قبرص واليونان في صياغة سياسات الدعم المالي الموضعي المضبوط. لكن هذا الملف تجاوز حدود الابتزاز الخارجي ليتحول إلى معضلة أمنية واجتماعية ضاغطة ومواجهة داخلية صامتة داخل المجتمع اللبناني نفسه، مهدداً بنية الاستقرار الهش والسلم الأهلي للكانتونات القائمة، في وقت تبحث فيه المعادلة الدولية عن تسوية واقعية تجمع بين الضغط السيادي والإنعاش الموضعي. وهنا يطرح الملف سؤال الإدارة الداخلية: من يدير ملف النازحين ميدانياً اليوم؟ وأي كانتونات تستفيد اقتصادياً وأمنياً من استمراره، وأيها تدفع الكلفة الاجتماعية المباشرة؟

​ثاني عشر: ثلاثة مسارات للعقد الاجتماعي القادم والاستدراك السيادي الحتمي

بناءً على كل ما تقدم، فإن لبنان يقف اليوم أمام مفترق طرق تاريخي تتحكم به موازين القوى لا النوايا الحسنة، ويمكن استشراف ثلاثة مسارات واقعية للعقد القادم، لا رابع لها:

  • ​المسار الأول (الانهيار المضبوط): استمرار صيغة “الفيدرالية المستترة” مع تآكل متسارع لما تبقى من الدولة المركزية لتتحول فعلياً إلى “بلدية بيروت الكبرى” بينما تدير الكانتونات شؤونها الكاملة على المسكنات والتمويلات الخارجية المشروطة بضبط الحدود البحرية والبرية. وفي هذا السيناريو يبرز السؤال: من هم الفاعلون الفعليون الذين سيحكمون هذه “البلديات الكبرى”؟ وهل ستتحول الدولة المركزية إلى مجرد صندوق رواتب بينما تحتكر الكانتونات الجباية والخدمات وضبط الحدود؟
  • ​المسار الثاني (اللامركزية المُموْضَعة): نجاح ضغوط “اللجنة الخماسية” والمسار التفاوضي الأخير في فرض تسوية تاريخية تقودها رئاسة جوزيف عون، بحيث تتحول مندرجات “اتفاق الإطار” المتبلور والترتيبات الأمنية المحيطة به إلى قاعدة ارتكاز أمنية برية صلبة لترتيب البيت الداخلي وإقرار “لامركزية مالية وإدارية موسعة” تُشرعن أمراً واقعاً مع بقاء ملفي الجيش والسياسة الخارجية بيد المركز. غير أن الضمانة المفقودة هنا هي: من يمنع تحول “اللامركزية المالية الموسعة” إلى شرعنة دستورية لاقتصاد الكانتونات؟ وأي آلية رقابة وطنية ستمنع تحويل الموارد إلى صراع تقاسم بين الكيانات الفرعية؟
  • ​المسار الثالث (الانفجار الكبير): فشل مقاربات التبريد الإقليمي، والانهيار النهائي لاتفاقات التهدئة المتبلورة، وانفلات جبهة الجنوب نحو حرب شاملة تفجر الشارع، وهو سيناريو “الفوضى الخلاقة” الذي سيعيد رسم خريطة المشرق كاملاً. والسؤال الذي لا يمكن تصوُّر تجاوزه: هل هذا السيناريو قدر خارجي فقط؟ أم أن هناك فاعلين داخليين يرون في لحظة الانفجار فرصة لإعادة هندسة الكيان على مقاسهم؟
  • ​الاستدراك السيادي (شرط الوعي البنيوي المفقود – إلا إذا): بيد أن هذه المسارات الثلاثة تبقى محكومة بمنطق الضغط الخارجي، ولا يمكن خرق مفاعيلها القاسية إلا إذا أدرك الفاعل اللبناني أن المخرج الوحيد يكمن في صياغة عقد اجتماعي داخلي جديد، يرتكز على قاعدة دستورية وحقوقية ترسخ مبدأ المواطنة، وقاعدة وجودية تعترف بأن الأرض تفرض حتمية العيش المشترك، وتُترجم ميدانياً عبر “وحدة الدم بالمصاهرة والروابط الاجتماعية العميقة، ووحدة المصير المشترك” الذي يربط الجميع في قارب واحد؛ فإما أن ينجوا معاً، وإما أن يغرقوا في لجة التوازنات الإقليمية العاتية. لكن الثغرة البنيوية الأكبر تبقى في تسمية الفاعل: من يبدأ؟ وكيف يُبنى عقد اجتماعي في ظل اقتصاد كانتونات وسلاح كانتونات وإعلام كانتونات؟ فبدون آلية وبدون حامل اجتماعي وسياسي، يبقى “الاستدراك السيادي” شرطاً أخلاقياً لا مشروعاً عملياً.
    ​ويضاف إلى ذلك غياب البعد الإنساني في كل السيناريوهات: كيف ينعكس “فخ الاستقرار الزائف” على قرار الشباب بالهجرة وعدم وجود أفق لهم في بلد متهالك ومتآكل، وعلى صمود العائلة؟ فالتحليل الجيوسياسي بدون كلفته البشرية يظل بارداً وناقصاً.
  • ​خلاصة واستشراف: مآل الهيكل وسؤال الوراثة التاريخية
  • إن المحصلة النهائية لتفكيك الساحة اللبنانية تؤكد أن الشرق الأوسط الجديد يتشكل فوق تضاريس موازين القوى والمصالح الباردة للعواصم الكبرى، حيث لم تعد القيمة الاستراتيجية للدول تُقاس بموقعها الجغرافي المجرد، بل بقدرتها على التكيف البنيوي والإنتاجي. وفي هذا الفضاء الجديد، يغرق لبنان في صراع بدائي على الأنقاض بعد أن استهلك وظيفته التاريخية القديمة كـ “مستودع تجاري ووسيط ثقافي”.
  • المعطيات الحالية تشير إلى أنه بينما يرى بعض المراقبين أن منظومة الطائف قد تبدو وكأنها لفظت أنفاسها الأخيرة، إلا أن المقاربة الثابتة لدى أغلب، بل سائر الأطراف اللبنانية، تؤكد وتتمسك بأن “اتفاق الطائف” يظل هو الإطار الدستوري والسياسي الأمثل والوحيد الذي يصلح للبنان والضامن الأوحد لوحدته واستقراره. وهنا تبرز المفارقة المنطقية: إذا كان الطائف هو الحل والضامن، فكيف أنتج بذاته “الكانتونات” التي شخصها المقال؟ هل المطلوب هندسة جديدة داخل الطائف أم تجاوزه؟ فبدون حسم هذه النقطة يبقى الحديث عن العقد الجديد معلقاً.
  • وبناءً على ذلك، فإن الحديث الدولي والمحلي المتمحور حول كيفية “هندسة العقد الجديد” لشرعنة الواقع القائم على الأرض — سواء أكان ذلك عبر لامركزية مالية وإدارية موسعة تقودها واقعية العهد الجديد، أم عبر الانزلاق نحو فيدرالية صريحة لتغطية الفراغ السياسي والخلل البنيوي الداخلي — لا يمكن له أن ينضج أو يكتسب أي شرعية دستورية أو وطنية إلا من تحت سقف “الطائف” وباعتباره المرجعية الحتمية التي لا بديل عنها.
  • إن الهيكل اللبناني القديم قد تداعى بالفعل، والاستشراف القادم يكشف أن السؤال المصيري الذي يواجه اللبنانيين لم يعد: “هل سيسقط الكيان؟” بل أصبح خياراً بين أمرين: إما العبور نحو “جمهورية اللامركزية العاقلة والمواطنة الحاضنة للتنوع”، وإما الاستسلام لعواصف الجيوسياسية… وحينها لن يكون السؤال مَن سيرث الأنقاض، بل بأي لغة وعملة سيُدفع ثمن الوراثة
  • هل يمكن أن تكون هذه السلسلة الثلاثية دافعاً للجزء الرابع أو لازماً له لنجيب عن سؤالين جوهريين: من يمسك لبنان؟ وما هو مرسوم له؟ ولنشرح الكانتونات الفعلية بتسمياتها ومنتجاتها؟

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top