
بقلم ياسمين شعبان
لم تكن الجلسة التشريعية التي عقدها مجلس النواب أمس مجرد محطة لإقرار مجموعة من القوانين، بل تحولت في ساعاتها الأخيرة إلى مشهد سياسي متوتر طغت عليه السجالات الحادة والاعتراضات والانسحابات، لتنتهي بفقدان النصاب قبل الوصول إلى مناقشة اثنين من أكثر الملفات حساسية، وهما قانون العفو العام والغاء الاعدام، إلى جانب قانون الاعلام.
فعلى امتداد الجلسة، شهدت الهيئة العامة نقاشات حادة وتبادلًا للاتهامات وارتفاعًا في حدة الخطاب بين عدد من النواب، وسط اعتراضات متكررة على آلية إدارة النقاش وترتيب البنود المدرجة على جدول الأعمال. وفي مقابل هذه الأجواء المشحونة، تمكن المجلس من إنجاز حزمة تشريعية واسعة، فأقر 13 قانونًا شملت ملفات مالية واجتماعية وإدارية وعسكرية وتربوية وإنمائية، فيما أعاد ثلاثة مشاريع قوانين واقتراح قانون واحد إلى اللجان المختصة، وسحب من التداول اقتراحًا آخر.
ومن أبرز القوانين التي أقرها المجلس مشروع فتح اعتماد إضافي في موازنة عام 2026 بقيمة 56 ألفًا و500 مليار ليرة لبنانية لمنح العسكريين وموظفي القطاع العام ستة رواتب إضافية بمفعول رجعي اعتبارًا من الأول من آذار، إضافة إلى مشروع فتح اعتماد بقيمة 200 مليار ليرة لدعم صندوق تعويضات أفراد الهيئة التعليمية في المدارس الخاصة. كما أقر تعديلات على قانون الضمان الاجتماعي، وتعديل قانون حماية المستهلك، وقانون الدفاع الوطني، بما يشمل رفع مدة الدراسة في المدرسة الحربية من ثلاث إلى أربع سنوات والسماح للضباط من حملة الشهادات العليا بمزاولة مهنة التعليم.
وأقر المجلس كذلك تعديل القانون الذي يجيز للجامعة اللبنانية إجراء مباراة لملء الشواغر في ملاكها الإداري، إلى جانب قانون منح الإفادات للتلامذة، منهياً بذلك أحد أكثر الملفات التربوية إثارةً للجدل خلال الأشهر الماضية، فضلًا عن تعديل قانون إنشاء النقابة الإلزامية للمعالجين الفيزيائيين، وتعديل أحد بنود قانون الضمان الاجتماعي الصادر عام 1963.
كما أقر المجلس قانون تنظيم الصليب الأحمر اللبناني، وقانون استعمال وحماية شارة الصليب الأحمر، وقانون الصيد المائي وتربية الأحياء المائية بعد إدخال تعديلات هدفت إلى إنصاف الصيادين، إضافة إلى قانون إعادة عناصر ورتباء سبق أن سُرّحوا من الضابطة الجمركية، وزيادة حصة لبنان في رأسمال البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، وتعديل اتفاقية القرض مع الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية الخاصة بمشروع الصرف الصحي في الصرفند، فضلًا عن إجازة الحكومة إبرام اتفاق مع ألمانيا بشأن إنشاء مكاتب محلية للوكالة الألمانية للتعاون الدولي (GIZ) وبنك إعادة الإعمار الألماني (KfW).
وفي المقابل، لم تُحسم ملفات أخرى، إذ أعاد المجلس إلى اللجان المختصة اقتراح احتساب ساعات المتعاقدين والمستعان بهم في القطاع التربوي، ومشروع إنشاء وزارة للتكنولوجيا، ومشروع استبدال اسم بلدة “مزرعة طبايا” باسم “طبايا”، إضافة إلى اقتراح تعديل قانون مزاولة مهنة الصيدلة.
لكن المشهد التشريعي تبدّل بالكامل مع الانتقال إلى مناقشة اقتراح القانون الرامي إلى إلغاء عقوبة الإعدام، والذي سبق بند العفو العام على جدول الأعمال. عندها طالب النائب جورج عدوان بتقديم بند العفو العام وتأجيل البحث في إلغاء عقوبة الإعدام إلى جلسة لاحقة، وهو ما أيده النائب رازي الحاج، إلا أن رئيس مجلس النواب نبيه بري رفض تعديل ترتيب البنود، مؤكدًا ضرورة الالتزام بجدول الأعمال كما ورد، ما دفع نواب تكتل “القوات اللبنانية” إلى الانسحاب من القاعة.
وكان عدد من النواب السنّة قد قاطعوا الجلسة أساسًا اعتراضًا على الصيغة التي أُحيل بها قانون العفو العام من اللجان المشتركة إلى الهيئة العامة، معتبرين أنها لا تلبي المطالب التي كانوا يدفعون باتجاهها.
وفي ذروة الاحتقان، قال النائب وليد البعريني: “بدنا نتحاسب برا وبدنا نحاسبهم… هيدا الكلام ما بيجوز، عيب نوصل لهون”، في موقف عكس حجم التوتر الذي ساد داخل المجلس، قبل أن يؤدي انسحاب عدد من النواب إلى فقدان النصاب القانوني، ما اضطر رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى رفع الجلسة وتعليق البحث في قانون العفو العام وسائر البنود المتبقية.
وهكذا، انتهت جلسة شهدت حصيلة تشريعية واسعة من حيث عدد القوانين التي أُقرت، إلا أن مشاهد الانسحابات والسجالات وفقدان النصاب طغت على مضمونها، لتبقى ملفات خلافية، وفي مقدمتها قانون العفو العام، معلقة إلى جلسة لاحقة، في وقت لا تزال فيه الخلافات السياسية تتحكم بإيقاع العمل التشريعي تحت قبة البرلمان، رغم الحاجة الملحّة إلى تشريع هادئ ومنتج يواكب الأزمات التي يواجهها اللبنانيون.
