
بقلم: نزار شاكر
هشاشة البيئة واختراق «الجسد الواحد»
لم تكن العمالة في لبنان يوماً مجرد قصة فرد يبيع معلومة لعدو مقابل أجر، بل هي قبل ذلك حالة اجتماعية وسياسية تترعرع في القاع وتنمو في بيئة مليئة بالخوف والفقر وتآكل الثقة، لتشكل بذلك الثغرة النافذة التي تتسلل منها الإرادات والمصالح الأجنبية كلما ضعُف العقد الاجتماعي بين أبناء البيت الواحد.
وتكمن الإشكالية اليوم في أن لبنان تحول إلى ساحة لسرديات متناقضة، حيث تطرح كل جماعة تعريفاً خاصاً للمواطنة وترى في سلوك خصمها ارتهاناً أو خيانة، وهو الاستقطاب الذي تسبب في تغييب الميزان المشترك الذي نحكم به على الصواب والخطأ، وأدى بالتالي إلى اختلاط المفاهيم؛ إذ أصبحت العمالة تُمثّل الجريمة القانونية المحددة بأفعال استخباراتية صريحة، بينما أضحى مفهوم “الخيانة” يُستعمل في الخطاب السياسي اليومي بصورة أوسع وأكثر التباساً لتصفية الحسابات الوطنية.
ومن هنا، تستند أطروحة هذا المقال إلى أن السلوكيات المضرة بالوطن لا تأتي من فراغ، بل تجد بيئة أكثر ملاءمة في ظل غياب المرجعية الجامعة واستمرار الاستقواء بالخارج على حساب مؤسسات الكيان، بحيث زادت قابلية المجتمع للاختراق والتفكيك الممنهج كلما أُفرغت السلطة الشرعية من مضمونها.
فوضى السرديات والتأطير التاريخي للاستقواء
يعيش اللبنانيون منذ عقود تحت وطأة سرديتين كبريين أسهَمتا مجتمعتين في إضعاف مفهوم المواطنة الجامعة؛ إذ تبدأ الأولى بسردية الخوف والبحث عن الضمانات الخارجية، حيث عاشت المكونات الطائفية منذ تأسيس الكيان بهاجس الغبن أو التهديد الوجودي، ولما لم تتحول السلطة العامة إلى راعٍ حصري يوفر الحماية المتساوية للجميع، اتجهت أطراف متعددة للبحث عن أمانها خارج الحدود. وتكتمل الصورة بالسردية الثانية المتمثلة في الانخراط بالمحاور الإقليمية، حيث ربطت قوى لبنانية متعاقبة مصيرها بمشاريع عابرة للحدود، مما أدى لتقويض استقلالية القرار الوطني وتحويل الوطن إلى ساحة لتصفية الحسابات وتبادل الرسائل الميدانية.
ولعل من الضروري الإشارة إلى أن ظاهرة البحث عن حليف خارجي ليست حكراً على فريق دون آخر ولا وليدة مرحلة بعينها، بل هي مسار متكرر عبر تاريخ لبنان الحديث؛ إذ يظهر ذلك جلياً بدءاً من نظام القائمقاميتين في القرن التاسع عشر وما رافقه من استدعاء لرعايات قنصلية أجنبية، مروراً بالمنعطفات التي أطاحت بجمهورية الاستقلال مثل اتفاق القاهرة عام 1969 والتحالفات الفئوية إبان الحرب الأهلية، وصولاً إلى الاصطفافات الراهنة. ومع أن أسماء الرعاة الدوليين والإقليميين تغيرت على مر العقود، إلا أن النتيجة ظلت واحدة، متمثلة في تآكل استقلالية القرار وتفريغ المؤسسات الرسمية من دورها الجامع.
تفكيك الظاهرة — بين الجريمة والأفعال المُسهِلة للاختراق
ولتجنب الخلط الشائع بين التخوين السياسي والجريمة الجنائية، يصبح من اللازم التمييز بين ثلاثة مستويات متدرجة من السلوك:
العمالة المباشرة (التلبس الجنائي): وتتمثل في فعل قاصد يرتكبه فرد أو شبكة بوعي كامل لاستهداف أمن البلد، عبر تقديم معلومات استخبارية أو تسريب معطيات حيوية لجهة معادية وفق أحكام قانون العقوبات والمواثيق الوطنية، وهو ما يشكل اختراقاً أمنياً صريحاً يهدف بالأساس إلى كسر مقومات دفاع المؤسسة العسكرية والأمنية.
السلوك المُسهِّل للاختراق (الاستغلال الوظيفي للثغرات): وهو النمط الذي يثبت أن التفكيك الداخلي لا يتطلب دائماً توقيع عقد تجسس صريح، بل يتحقق في كثير من الأحيان عبر سلوكيات مجتمعية وسياسية غير محسوبة تخدم أهداف العدو دون قصد جنائي؛ فحين يُشحن الشارع بخطاب طائفي وتُنشر الشائعات وتُستثار العصبيات، تنشأ حالة من السيولة الأمنية التي تجعل الخصم بغنى عن التجنيد المباشر، مكتفياً بالاستثمار في الثغرات التي يصنعها أبناء البلد بأيديهم.
الاصطفاف السياسي والتعاطف العقائدي: إذ إن اتخاذ موقف سياسي يتقاطع مع دولة ما لا يعني بالضرورة ارتكاب “عمالة” بالمعنى الجرمي، غير أن تحويل هذا الاصطفاف إلى أداة لتعطيل المرافق العامة أو كسر الشريك الداخلي يدرجه تلقائياً في خانة الإضرار بالاستقرار الوطني.
معايير الفرز — المعارضة السياسية مقابل الارتهان
ولما كان الخلط بين النقد الديمقراطي من جهة والارتهان والتواطؤ من جهة أخرى هو المحرك الأساسي لفوضى التخوين، فإن الانضباط الفكري يفرض رسم حدود فاصلة تتضح في النقاط التالية:
فمن جهة، تُعتبر المعارضة السياسية حقاً مكفولاً يستند إلى الأدوات الدستورية والعمل الحزبي والنقد العلني ورفض الخيارات السلطوية، وهي بذلك تجسد جوهر النظام الديمقراطي الذي لا يجوز تجريمه أو وصفه بالخيانة.
ومن جهة أخرى، يظهر الارتهان السياسي كسلوك يمس بالثوابت الوطنية متى ما تحول الطرف — سواء كان كياناً سياسياً أو فاعلاً اقتصادياً — من منافس في الداخل إلى أداة تنفيذية أو قناة خلفية لمشروع خارجي، عبر قبول تمويل سياسي مشروط، أو التسويق لصفقات عابرة للحدود، أو خرق أطر المقاطعة الوطنية وتجاوز الدبلوماسية الرسمية للدولة.
وفي المقابل تماماً، تتحدد العمالة القانونية باعتبارها جريمة جنائية موثقة تتمثل في التجسس وكشف أسرار الدفاع والتعاون المباشر مع أجهزة دولة معادية، وهي الأفعال التي تقع حكماً تحت طائلة المحاكمة أمام القضاء العدلي المستقل بعيداً عن التسييس والإعلام.
خطة التحصين — نحو سيادة مؤسسية جامعة
وعليه، فإن صيانة الكيان لا يمكن أن تتم باقتصار المواجهة على المعالجات الأمنية والملاحقات، بل تتطلب بناء حماية شاملة تترجم عبر أربعة مسارات متكاملة:
أولاً: علاج الثغرات الاجتماعية والاقتصادية: بالنظر إلى أن الفقر والفساد والشعور بالتهميش يشكل البيئة الخصبة التي ينمو فيها التجنيد، حيث يصبح كل مواطن يفتقد الحماية الدستورية والرعاية الاجتماعية هدفاً سهلاً للاستقطاب أو الدفع نحو الملاذات الطائفية والأجنبية.
ثانياً: الفصل بين الثوابت الوطنية وحوكمة السيادة: لكون البعض يقع في خطأ الخلط بين المنطلق الوطني الجامع وبين ممارسة السيادة وإدارتها؛ إذ يعكس الإطار الدستوري والتاريخي والبيانات الوزارية المتعاقبة إجماعاً على مواجهة الاعتداءات والأطماع الإسرائيلية وحماية لبنان منها كأمر خارج التجاذب السياسي. بينما تتحدد الإشكالية الفعلية في “حوكمة السيادة” وتوحيد أدواتها، وهو ما يتطلب اعتماد مقاربة إجرائية تقوم على احتكار المؤسسات الرسمية الحصري لحق استخدام القوة الشرعية وحماية الحدود، إلى جانب استقلالية القرار السياسي عن الإملاءات وصون الميثاق الوطني وعقيدة الدفاع المشتركة تحت مظلة الدولة.
ثالثاً: تفعيل القضاء وتطبيق القانون بنزاهة: حيث إن تحصين النسيج الوطني لا يستقيم بالمواقف النظرية وحدها، بل بوجود سلطة قضائية مستقلة تطبق أحكام القانون بشفافية كاملة، فلا يُستخدم اتهام الخيانة كأداة لتصفية الحسابات الحزبية، ولا يفلت المرتكب الحقيقي أو المتجاوز لأطر المقاطعة من العقاب تحت مظلة الحماية الطائفية أو النفوذ المالي.
رابعاً: المواجهة النفسية والوعي الرقمي: خاصة في عصر الحرب السيبرانية التي تحولت فيها الجيوش الإلكترونية إلى أدوات لتفكيك المجتمعات من الداخل، مما يجعل من تطوير الإعلام المسؤول ونشر التفكير النقدي خط الدفاع الأول ضد التلاعب بالرأي العام.
حتمية خيار الدولة
وفي الختام، يتضح جلياً أن الكيان اللبناني لا يُصان بالارتهانات المتبادلة، ولا يستقيم بموازين القوى المتغيرة عبر الحدود، ولا يحتمل بأي حال منطق الوصايات أو الصفقات الفردية العابرة للمؤسسات.
فالخيانة ليست مجرد تسريب للمعلومات إلى الخارج، بل هي مسار يبدأ عملياً يوم يعجز اللبنانيون عن الاتفاق على مرجعية واحدة يحتكمون إليها؛ فكلما تعددت الجهات التي تُطلب منها الحماية أو تُعقد معها التفاهمات الخارجية، تضاءلت قدرة الدولة على حماية الجميع.
إن الاستقواء بالخارج لكسر الشريك في الداخل يظل الخطوة الأولى نحو التفكك الدائم، لتبقى الدولة —التي ليست طرفاً بين الأطراف ولا خصماً لفريق— الإطار الدستوري والسيادي الوحيد الذي يحول دون تحول الخلاف السياسي إلى انهيار شامل للوطن.
