
بقلم د.طلال خواجة
كنا نسكن في حارة تقع على تقاطع مثلث الشعراني، الأميركان والسيدة. و كانت بنايتنا، المشرفة على المدينة و المتوسط، تطل من جهة الغرب على عقبة المفتي الموصلة أدراجها عبر حارة البرانية إلى نهر أبو علي. كان أبو علي يخترق المدينة القديمة، مشكلا مع الجسور و المطاحن والجوامع و البيوت المحيطة مشهدا رائعا، يبدو في جماله و كأنه قطعة من مدينة البندقية قبل أن تشوهه أيادي الحداثة الملتبسة في أعقاب الطوفان.
و بالقدر الذي شكل موقع بنايتنا المشرفة بقرميدها نعمة فقد تحول إلى نقمة في كل محطة اشتباك مدمر في مدينتنا التي تقع على فوالق جيوسياسية دائمة الهمدرة، رغم أن بناتها الفينيقيين أرادوها واحة تلاق و حوار بين مدنهم المتنافسة تجاريا في حوض المتوسط.
و يبدو أن هذا حال بلدنا لبنان الذي استفاد من نعمة الموقع و غنى التنوع أكثر من نصف قرن قبل أن تنقلب الأحوال إلى لعنة لا يبدو أنه سيشفى منها قريبا.
لن أسترسل في وصف حارتنا، ذلك أنني كتبت مقالا عنها من سنوات بعنوان “في نسيج حارة من حارات طرابلس” نشرته جريدة النهار و أعيد نشره في جريدة التمدن.
ما أريد قوله هو أن المدينة العريقة أو قارورة الطيب كما أسماها نزار قباني شقت طريقها نحو الحداثة بثبات رغم الظروف السياسية و الجيوسياسية التي أعاقتها، خصوصا أمام الصعود المذهل لمدينة بيروت، كحاضرة و لاحقا كعاصمة للبنان الكبير. علما أن إقطاع المدينة السياسي شكل عاملا سلبيا في الغالب في مواكبة قطار التقدم المديني، عبر رعاية الظواهر السيئة و الهامشية في المجتمع و منها ظاهرة القبضايات التي تراجعت مع انتشار الفرقة ١٦ الذائعة الصيت آنذاك.
شكل التحديث و التطور المديني جاذبا لنخب الأقضية الشمالية التي وجدت في الحاضرة الشمالية مكانا للتبضع و التمتع بالأجواء المدينية، حيث المطاعم و المقاهي و دور السينما و النوادي الرياضية و المراكز الثقافية و أماكن اللهو، كما وجدوها مكانا مريحا للسكن، خصوصا أنها كانت تحتضن المدارس و الإرساليات و المستشفيات. كما تدفق إليها شباب القرى و البلدات الشمالية للعمل في مؤسساتها و في مصانعها التي كانت تنتشر في منطقة البحصاص.
هكذا لعبت الفيحاء دورا في تحديث المحيط الريفي، كما أنها جذبت شرائح نخبوية من بيروت و من الشمال السوري، خصوصا مع تعزز المشهد الحضاري المديني و الإقتصادي و الإجتماعي في الخمسينيات و الستينيات من القرن الماضي.
كنا ننزل صباحا مشيا على الأقدام من الحارة مخترقين حارة البرانية و أبو علي مرورا بالزاهرية و المائتين، و صولا لثانوية حسن الحاجة، أو نكمل من الأسواق القديمة نحو الوسط التجاري في التل و البولفار و شارع عزمي قبل أن نلتف نحو مستديرة الملعب البلدي وصولا للثانوية.
كانت الطريق سهلة و ممتعة و كنا نعتبرها نزهة، نظرا لنظافة و ترتيب الأبنية والمحلات و الشوارع و الأرصفة، فضلا عن الإلتزام بقوانين السير و احترام الإشارات الضوئية و حقوق المشاة. حتى حين كنا نتظاهر رافعين المطالب الطالبية و الشعبية والوطنية كنا ننهي التظاهرة بالتسكع في الوسط التجاري و امتداداته، لما كان له من جاذبية، أو نذهب للإسترخاء في مقهى التل العالي أو أحد مقاهي البولفار.
تعرضت فيحاؤنا للكثير من الصدمات و الحوادث و جولات الحروب و الانتهاكات المختلفة، فاقت تداعياتها على الواقع الإجتماعي و الإقتصادي و الحضاري قدرة بنى المدينة الإدارية و البلدية والمدنية على التحمل، خصوصا بعد أن دمرت مصانعها و مرافقها الرئيسية و هجرها الكثير من النخب المدينية و تعرض نسيجها للتمزق.
لن نذكر بكل ما مر على المدينة من أحداث و كوارث، و لكننا نذكر بالحقد الذي كان يكنه النظام الأسدي المجرم والذي فجره هتكا و انتهاكا و قتلا و تدميرا في طرابلس. كما نذكر بالثقل الذي أرخته حركة التوحيد الظلامية على المدينة والتي لم تكن تشبه نسيجها الإعتدالي المتنوع. علما أن المدينة عوقبت من قبل الثنائي المدجج و من كوكتيل الممانعة عموما على مواقفها الوطنية و السيادية، كما على تأييدها للثورة السورية و على انضوائها ضمن نظام المصلحة العربية عموما.
و الحقيقة فإن مجتمع المدينة المدني أعطانا دروسا في المقاومة المدنية و الثقافية على مر تاريخها المعاصر..
ألم تلقب مدينتنا بأيقونة الثورة و تشكل خزان الإنتفاضات السيادية؟ ثم ألم يشكل المجلس الوطني للعمل الاجتماعي في الشمال ظاهرة لبنانية فريدة في مرحلة انكفاء مؤسسات الدولة؟ و قد اقتبسنا هذه الظاهرة بنجاح في معركة المدينة الجامعية في المون ميشال.
لا نهدف في هذه العجالة إلى طرح القضايا الكبرى في المدينة و البحث عن حلول، و لا نرغب باستحضار المظلوميات و ما أكثرها، علما أن الحكومة تتعاطى إيجابا بقضايا و مواضيع و مرافق “طرابلس الكبرى” رغم الحرب و الظروف السياسية والإقتصادية و الأمنية القاسية.
ما نريده هو أن نغرف من خزان المدينة الغني للتعاون الصادق من أجل إنهاض مدينتنا و إعادتها إلى المشهد الحضاري الجاذب بعد أن فقدت بريقها و انتهكت بيئتها. و هذا يتطلب التعاون بين أهل المدينة و قواها و هيئاتها المختلفة و بين المؤسسات الإدارية والأمنية والبلدية.
فمدينتنا مستباحة من داخلها بالفوضى و غياب القانون.
فوضى النفايات و القذارة عموما. فوضى الطرقات السيئة و الأرصفة المحفرة و المستباحة. فوضى البسطات و العربات. فوضى السير، بما فيها مشهدية التوكتوك و الموتوبيكات السريالية. فوضى الباركنغ و ركن السيارات عموما. فوضى المولدات و غازاتها السامة. فوضى الإعلانات و الصور و النعوات، حتى لتظن أننا بانتظار نعوة المدينة و اللائحة تطول.
نحن قادرون بتعاوننا و تعالينا على الصغائر بتهيئة البيئة المناسبة للسياحة و الإستثمارات الجدية في مدينة تطفح بالميزات و الطاقات و الإمكانيات، علنا نتهيأ للإستفادة من الفرص التنموية التي بدأت تظهر في بعض قرارات الحكومة و في الملامح الجيوسياسية الجديدة. فالإستثمار التنموي في الإقتصاد و التعليم و خلق فرص العمل يشكل أقصر الطرق لمحاربة الفقر و الجهل و الظواهر الاجتماعية السيئة.
