إيران تعيد بناء هرمها العسكري… من يمسك القرار بعد الصدمة؟

بقلم ياسمين شعبان

في مرحلة إقليمية شديدة الحساسية، ومع استمرار تداعيات الضربات والاغتيالات التي طالت مستويات قيادية في إيران، تدخل طهران مرحلة جديدة من إعادة ترتيب بنيتها العسكرية والأمنية. فالتعيينات الأخيرة في هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة وحرس الثورة والبسيج والقوة البحرية لا تبدو مجرد عملية ملء للشواغر، بقدر ما تعكس محاولة لإعادة بناء هرم القيادة وتثبيت مراكز القرار بعد الصدمة التي أصابت المنظومة العسكرية.

وتكتسب هذه التغييرات أهمية إضافية لكونها تأتي بعد اختيار قيادة سياسية جديدة وفي وقت تواجه فيه إيران تحديات متزامنة على المستويين الداخلي والخارجي، من حماية استقرار النظام وضبط الجبهة الداخلية، إلى إدارة المواجهة مع الولايات المتحدة وخصوم طهران الإقليميين، فضلًا عن الحفاظ على شبكة نفوذها الممتدة في المنطقة.

وفي حديث خاص لموقع “ديموقراطيا نيوز”، رأى الكاتب والمحلل السياسي مصطفى فحص أن التعيينات الأخيرة تمثل عمليًا “المرحلة الأولى الاستيعابية” للصدمة التي أحدثها مقتل عدد من القيادات، موضحًا أن الفترة الممتدة بين التعيينات الطارئة التي أعقبت الاغتيالات وبين التعيينات الجديدة أتاحت لمراكز القرار في إيران البدء بإعادة هيكلة مواقعها وترتيب هرم القيادة بصورة أكثر ثباتًا.

ولفت فحص إلى أن أحد أبرز المؤشرات التي ينبغي التوقف عندها هو استبعاد بعض الشخصيات من مواقعها العسكرية وإسناد مواقع ذات طابع سياسي إليها، معتبرًا أن ذلك يمكن أن يعكس عملية تهميش وإعادة توزيع للنفوذ داخل المنظومة.

وفي هذا السياق، طرح فحص علامات استفهام حول الجهة التي أنجزت فعليًا عملية اختيار الأسماء الجديدة، ولا سيما في ظل التساؤلات المحيطة بصحة المرشد ومدى مشاركته المباشرة في صناعة هذه القرارات، معتبرًا أن المسألة لا تتعلق فقط بالأسماء التي جرى تعيينها، بل أيضًا بمن امتلك القدرة داخل النظام على اختيارها وترتيب مراكزها.

أما تعيين أحمد وحيدي قائدًا عامًا لحرس الثورة، فيحمل، بحسب فحص، دلالة تتجاوز التغيير الإداري، إذ يشكل تكريسًا لـ”القوة الصلبة” في قيادة الحرس. فوحيدي يُعد من الشخصيات التاريخية داخل المؤسسة الأمنية والعسكرية الإيرانية، وارتبط اسمه بملفات شديدة الحساسية، كما كان له دور تاريخي في تأسيس فيلق القدس، قبل أن يتولى لاحقًا مسؤوليات سياسية وأمنية، من بينها وزارة الداخلية في مرحلة دقيقة شهدت اضطرابات داخلية.

وبحسب فحص، فإن اختيار وحيدي يعني استمرار المنهج الذي اعتمدته القيادة الإيرانية منذ تعرض بنيتها القيادية للضربات، إذ يمثل الرجل تيارًا يميل إلى المواجهة أكثر من التسوية، ويتمتع في الوقت نفسه بثقل يسمح له بأن يكون أحد كبار المشاركين في صناعة القرار الإيراني، وليس مجرد قائد عسكري ينفذ القرارات.

إلى جانب ذلك، رأى فحص أن إعادة توزيع المواقع داخل المؤسسة العسكرية تكشف عن تغييرات في التحالفات الداخلية بين أجنحة النظام، حتى وإن بقيت هذه الأجنحة مجتمعة تحت سقف واحد في ما يتعلق بحماية النظام ومواجهة خصومه.

وأشار إلى الدور الذي يمكن أن تلعبه شخصيات تاريخية مثل محسن رضائي، أحد الآباء المؤسسين لحرس الثورة، معتبرًا أنه، رغم انتمائه إلى البيئة الصلبة نفسها، يمتلك خبرة سياسية قد تجعله أكثر قدرة على إبداء مرونة في إدارة بعض الملفات، وخصوصًا في طريقة التعامل مع المسارات السياسية والتفاوضية.

وفي المقابل، تحمل التعيينات المرتبطة بالبسيج دلالة داخلية واضحة، وفق فحص، ولا سيما مع الدفع بشخصيات تنتمي إلى البيئة العقائدية والأمنية المحيطة ببيت المرشد. فهذه الخيارات تنسجم مع طبيعة البسيج بوصفه قوة لا تقتصر مهمتها على الجانب العسكري، وإنما تشكل إحدى الأدوات الأساسية لضبط الداخل وحماية بنية النظام.

ومن هنا، يعتبر فحص أن جزءًا أساسيًا من التعيينات الجديدة يهدف إلى إحكام السيطرة على الوضع الداخلي، وتحصين المواقع الحساسة في الدولة والنظام في مواجهة أي اهتزاز محتمل، بالتوازي مع إعادة بناء قدرة المؤسسة العسكرية على إدارة المواجهة الخارجية.

أما التغييرات التي طالت القوة البحرية، فيضعها فحص ضمن طبيعة المواجهة الحالية، معتبرًا أن إيران تتحرك اليوم من موقع دفاعي أكثر منه هجوميًا. ومع تصاعد المواجهة مع الولايات المتحدة، تكتسب القوة البحرية أهمية استثنائية بسبب دورها في الخليج ومضيق هرمز، باعتبارهما من أبرز ساحات الضغط والردع التي تمتلكها طهران.

وعلى مستوى النفوذ الإيراني الإقليمي، لا يرى فحص أن إعادة تركيب القيادة تعني تغييرًا جذريًا في السياسة الخارجية أو في دور فيلق القدس وشبكة الفصائل المرتبطة بطهران. ففيلق القدس لا يزال قائمًا ويتحرك، فيما تبقى الأدوات الإقليمية جزءًا أساسيًا من استراتيجية النظام. بل يرى أن أهمية هذه الفصائل قد تصبح أكثر حساسية في المرحلة المقبلة، لأن طهران باتت تنظر إليها، في ظل المواجهة الحالية، ليس فقط كأدوات لتوسيع نفوذها الإقليمي، وإنما كجزء من منظومة الدفاع عن النظام الإيراني نفسه.

وفي ما يتعلق بانعكاسات هذه التعيينات على لبنان والمنطقة، يرى فحص أن إعادة هيكلة القيادة الإيرانية لا تؤشر إلى تراجع طهران عن ساحاتها الإقليمية، بل إلى محاولة إعادة تنظيم طريقة إدارتها في مرحلة أصبحت فيها حماية النظام أولوية قصوى.

وبالنسبة إلى لبنان، فإن استمرار فيلق القدس وثبات البنية الأساسية للسياسة الإقليمية الإيرانية يعنيان أن الساحة اللبنانية ستبقى ضمن الحسابات الاستراتيجية لطهران، ولا سيما من خلال حزب الله، إلا أن وظيفة هذه الساحات قد تصبح أكثر ارتباطًا بحاجات إيران الدفاعية وبميزان المواجهة الإقليمية.

أما على مستوى المنطقة، فإن صعود شخصيات من وزن أحمد وحيدي وترسيخ حضور التيار الأمني والعسكري الصلب يشيران، وفق قراءة فحص، إلى أن إيران تستعد لمرحلة طويلة من المواجهة والضغط المتبادل، وليس لتحول استراتيجي سريع نحو التسوية. وعليه، فإن التعيينات الجديدة تبدو أقرب إلى إعادة تنظيم أوراق طهران الداخلية والإقليمية استعدادًا للمرحلة المقبلة، مع إبقاء قنوات التفاوض ممكنة من دون التخلي عن أدوات القوة والنفوذ التي بنتها إيران على مدى عقود.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top