تداعيات الاتفاق الثلاثي بين الواقع والمرتجى: من الحلم البصري إلى المفتاح المفقود

​بقلم: نزار شاكر

​من سحر الصورة إلى يقظة الصدمة

لم يكن مشهد القادة الثلاثة الذي تظلله أنوار الحرم المكي سوى الذروة في هندسة “الردع الإدراكي” وصناعة الحضور البصري، والتي نجحت تكتيكياً في نقل الاتفاق من فضاء الترتيبات العسكرية الجافة إلى رحاب الرمزية المعنوية الوازنة. ولم يقف أثر هذه “الصدمة الإدراكية” عند حدود العواصم الموقّعة، بل امتدت ارتداداتها فوراً إلى النقاط الساخنة في الإقليم — وعلى رأسها الساحة اللبنانية — لتفرض إعادة حسابات مبكرة لدى القوى السياسية المحلية والإقليمية تجاه قواعد اللعبة الجديدة.

لكن، ما إن تهدأ كشافات الإخراج الباهر وتبدأ التحديات الواقعية، حتى نجد أنفسنا أمام قراءات متباينة تتأرجح بين التفاؤل الاستراتيجي والتحفظ العقلاني. بين من يرى في “معاهدة مكة للدفاع المشترك” خطوة نحو بناء منظومة أمنية توازنية تخفف الاعتماد الكامل على المظلات التقليدية، وبين من يراها مجرد تفاهم مرحلي تحيطه التعقيدات الهيكلية، ينفتح الباب للعبور من سحر الصورة إلى يقظة الصدمة والمواجهة الواقعية، لتفكيك عناصر القوة ومكامن الهشاشة في هذا الحلف الناشئ.

دوافع العواصم.. بين الشراكة النِدّية والبراغماتية النفعية

المنظور المتفائل (المنظومة البديلة والتحول السيادي):

يرى الفريق المؤيد أن هذا التفاهم يعكس تحولاً هيكلياً في العقيدة الدفاعية والسياسية السعودية؛ وهو تحول يمثل انتقالاً صريحاً من مرحلة “الرعوية التقليدية” وإدارة التوازنات المحافظة إلى مرحلة “السيادة والتحوط الصلب” (Strategic Hedging). وفي هذا السياق، تؤسس الرياض لشراكة استراتيجية ندّية تقوم على التصنيع العسكري وتبادل المزايا؛ دمجاً بين الخبرة الدفاعية لباكستان، والتفوق التكنولوجي للمسيرات والمنظومات التركية، والثقل المالي والجيوسياسي السعودي. وهو ما أكدته مراكز الأبحاث الغربية (وفي مقدمتها منبر Modern Diplomacy) حين وصفت الحلف بأنه آلية «تحوّط استراتيجي صلب» فرضتها تحولات موازين القوى في الشرق الأوسط وتراجع حالة اليقين تجاه المظلات الدولية التقليدية.

المنظور التحفظي (البراغماتية وحقل الهواجس القومية):

في المقابل، تشير التحليلات التفكيكية في الصحافة الباكستانية والإقليمية إلى أن الحلف محكوم بدوافع تكتيكية تفرضها الظروف الراهنة؛ فإسلام آباد، التي تواجه تحديات اقتصادية هيكلية، ترى في الاتفاقية فرصة لتعزيز صادراتها العسكرية الحصول على تدفقات مالية داعمة. كما أن التزامات أنقرة تجاه حلف شمال الأطلسي تجعل اندفاعتها محكومة بسقوف محددة، وهو ما عكسه بيان “مركز مكافحة التضليل” التابع للرئاسة التركية الذي سارع إلى تأكيد أن «الاتفاق لا يتعارض بأي شكل مع التزامات أنقرة الأطلسية». فالحلف هنا، في نظر المتشككين، هو تقاطع لمخاوف قومية منفصلة (الملف الكردي لتركيا، والاقتصاد وجرح كشمير لباكستان، والأمن الوطني للسعودية) التقت عند مصلحة واحدة.

​”المفتاح المفقود” – مأزق القيادة وعقدة الخط الأحمر النووي

الجانب الإيجابي (الواقع العملياتي وفلسفة التدرج الاستراتيجي):

عملياً، بدأ الحلف في فرض أولويات ملحة تخرجه من الإطار النظري إلى الميدان الإجرائي عبر تفعيل التنسيق الاستخباراتي وتأمين الممرات المائية الحيوية. وهنا يتبدى الذكاء الجيوسياسي في صياغة الاتفاق؛ إذ لم يُطرح كمنظومة مغلقة، بل اعتمد «فلسفة التدرج الاستراتيجي» ببدء الاتفاق بنواة ثلاثية صلبة تسهل اتخاذ القرار، مع ترك الباب مفتوحاً للانضمام مستقبلاً. هذا البند يشكل «ممتص صدمات مرن» يمنع حصر الإقليم في محاور حادة.
​وفي هذا الإطار، جاء التصريح الرسمي لوزير الخارجية التركي هاكان فيدان بأن «مصر قد تنضم للاتفاق بعد تسوية بعض الترتيبات الفنية»، لتتحول المعاهدة إلى قوة جذب إقليمية رصدتها الصحافة العربية والدولية (وفي مقدمتها صحيفة العربي الجديد) التي سارعت لتفكيك فرص انضمام القاهرة، معتبرة أن هذا التمدد المحتمل يمثل الإجابة الجغرافية والعملياتية الحتمية لتأمين الملاحة في البحر الأحمر، لما تمثله مصر كظهير حامٍ للأمن القومي والمقوّمات الاستراتيجية للمنطقة.

الجانب المعارض (مأزق القيادة والتحذير الإقليمي المبطن):

لكن القراءة النقديّة الأكثر عمقاً تطرح تساؤلات حاسمة حول تعقيدات الميدان؛ إذ تبرز أولاً عقدة “القيادة والسيطرة” (Command and Control): من يملك حق اتخاذ قرار التفعيل العسكري المباشر عند وقوع أزمة؟ هل نحن أمام قيادة موحدة أم مجرد تنسيق استخباراتي عند تقاطع المصالح؟ وثانياً عقدة “نقل التكنولوجيا الحساسة” كعقدة الردع النووي الباكستاني دون الاصطدام بالفيتو الدولي الصارم.

وتكتمل هذه الشكوك مع القراءة الحذرة في المشهد الإقليمي؛ ففي الوقت الذي سارعت فيه طهران علناً — على لسان المتحدث باسم خارجيتها إسماعيل بقائي في 10 أغسطس 2026 — إلى إبداء عدم قلقها من الاتفاق واعتباره تحولاً نحو “الاعتماد على القدرات الذاتية بدلاً من القوى الخارجية”، إلا أن هذا الترحيب الدبلوماسي حمل في طياته حذراً استراتيجياً مكتوماً؛ إذ ربطت طهران نجاح المعاهدة بمدى قدرتها على استيفاء شروط العمق و”تحديد العدو والتهديد بالشكل الصحيح”، في إشارة واضحة لرفض أي تحركات قد تكبح نفوذها الإقليمي أو تتحول إلى منصة ضغط عليها. كما أن التردد أو التريث المصري المفترض ينطلق من هذه السقوف ذاتها، حيث تتحرك الدبلوماسية التقليدية للقاهرة بحذر بين التزاماتها القومية وتوازناتها الإقليمية.

​”الضمير الغائب” – صراع الممرات وتوظيف “سلاح المال”

المنظور المتفائل (إجهاض الممرات البديلة وإرباك إسرائيل):

لا يقتصر الأثر الاستراتيجي للحلف على الجانب العسكري، بل يمتد إلى الجغرافيا الاقتصادية؛ إذ تسهم إعادة فرض السيطرة على الممرات المائية الحيوية في إعاقة مشروع الممر الاقتصادي (IMEC: الهند – الشرق الأوسط – أوروبا) الذي يرعاه الكيان الصهيوني مع نيودلهي، ويعيد الاعتبار للعمق العربي والإسلامي.

وفي هذا السياق، اعتبر تحليل صادر عن “المركز الأوروبي لدراسات غزة والشرق الأوسط” أن الاتفاق أحدث صدمة ردع عكسية وأحبط طموحات تل أبيب في قيادة تكتل أمني إقليمي، وهو ما تقاطع نوعاً ما مع الموقف الإيراني الرسمي الصادر اليوم عبر وكالة (رويترز) والذي دعا الحلف علناً إلى التصدّي لانتهاكات “العدو الصهيوني وحلفائه في المنطقة”. هذا التقاطع أحدث حالة استنفار تحليلي في تل أبيب، تمثلت في إجراء اتصالات عاجلة بين قيادة الاحتلال ونيودلهي لبناء شبكة تفاهمات مضادة (تضم إسرائيل، الهند، الإمارات، واليونان) لفرملة مفاعيل حلف مكة.

المنظور المتشائم (الفيتو الدولي وكوابح المال السياسي):

على المقلب الآخر، يبرز “الضمير الغائب” المستتر المتمثل في حدود الحركة المتاحة أمام واشنطن؛ حيث تطرح صحيفة “النهار” وقراءات إقليمية تساؤلات حول مدى قدرة العواصم الثلاث على بناء نظام أمني يتجاوز المظلة الأمريكية بالكامل، أم أن واشنطن ستتدخل لإعادة ضبط الإيقاع.

ولم تتأخر الكوابح الاقتصادية في الظهور خلف الكواليس؛ إذ أثبتت التجربة الإقليمية — كما في الملفات المترابطة بالمنطقة — أن الضغط المالي يُستخدم كـ «سلاح جيوسياسي صريح» لضبط السلوك السياسي وتطويع التوجهات. وتجلّى ذلك في التقارير المالية التي كشفت عن ضغوط متزامنة تمثلت في مطالبة أبوظبي لإسلام آباد بتسوية وديعة مالية بقيمة 3.5 مليار دولار، مما يوضح كيف يُعاد استخدام القروض والمساعدات والودائع لفرملة الاندفاعات الاستراتيجية الكبرى، وتجريد التحالفات الوليدة من زخمها الأول عبر إشغال أطرافها بأزماتها الهيكلية.

​هندسة الواقع لا هندسة الوعي

بين إيجابية الحضور الاستراتيجي وصناعة الهيبة التي رصدتها الصحافة العربية والدولية، وسلبية العقبات الهيكلية والمالية وحقول الألغام الميدانية والتحالفات المضادة، يستيقظ الاتفاق الثلاثي على حقيقة أن التفاهمات الإقليمية بلا آليات قيادة مستقلة وبلا حسم لعقد نقل التكنولوجيا تظل مجرد إعلان نيات سياسي.

إن صهر هذه القراءات يكشف أن معاهدة مكة اعتمدت تكتيك “التدرج والمرونة”؛ فجعل الاتفاق نافذة مفتوحة للانضمام يخرجه من جمود التكتلات التقليدية ويحوله إلى مشروع أمني جامع يخضع لمنطق النجاح العملي وجذب المصالح. إن مواجهة “الضمير الغائب” الدولي، وحسم مأزق القيادة والسيطرة، واستيعاب التفاعلات مع الجوار عبر هذه النافذة المفتوحة، وفك شفرة “المفتاح المفقود” الميداني والمالي، هي الشروط الوحيدة لكيلا تتحول المعاهدة من مشروع درع إقليمي، إلى مجرد لحظة بصرية عابرة، ينتهي أثرها بتفرق الوفود وجفاف حبر التوقيع.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top