
* بقلم: نزار شاكر *
*تشريح اللحظة السياسية*
صيف بيروت هذا العام لا يشبه أي صيف مضى، لا لشدة الحر ولا لضيق الأفق، بل لأن كل شيء فيه معلق بين طاولة مفاوضات حدودية مفتوحة على كل الاحتمالات، وبين ترتيبات أمنية تُدار بالوكالة، وبين استحقاقات شغور مؤسساتي لم يعد أحد يراهن على حسمه بقرار قاطع.المشهد لا يوحي بأزمة تنفجر، ولا باستقرار يُبنى، بل بحالة ثالثة دقيقة: “دولة تتنفس عبر أنابيب الأكسجين المؤقت، وتمنح مواطنيها شعوراً بأن النبض لا يزال منتظماً”.وهنا تكمن الفرضية التي تحكم هذه الورقة: إن “صناعة الوهم” في لبنان ليست مجرد خدعة أخلاقية أو عجز مكشوف عن الفعل، بل هي أسلوب حوكمة القصد منه قتل الشروط الحية للحاضر؛ أسلوب تُستدعى فيه مبررات الأمس وتوازناته التاريخية لتأجيل لحظة الارتطام، ولإبقاء النظام في حالة “تعايش دائم مع الأزمة” طويلاً بما يكفي ليتعلم الجميع كيف يعيشون داخلها لا خارجها. *السردية النقدية – الوهم كأداة للهروب* إذا أردت أن تفهم كيف يُباع الوهم في لبنان، فلا تبحث عن خطاب رنان، بل عن قرار مؤجل بذكاء، أو نص تشريعي صُمم خصيصاً ليفرغ الإصلاح من مضمونه. الآلية بسيطة ومُعقدة بنفس الآن، حيث يتم تقديم الجزئي على أنه كلي، والمؤقت على أنه استراتيجي، والترقيع على أنه هندسة.سياسياً، يتحول الرهان الدائم على المتغيرات الإقليمية إلى صناعة. كل ضغط خارجي يُقرأ على أنه فرصة مناورة، وكل تراجع يُسوَّغ على أنه انتصار ميثاقي يحمي التوازنات. وهكذا يصبح المسار الحالي للترتيبات الأمنية والحدودية ليس ملفاً تقنياً يجب إنجازه، بل مادة خام لإنتاج روايات تبرر التعطيل وتغلفه بهيبة “الحسابات الكبرى”.تشريعياً ومالياً، تتجلى هذه الهندسة في إنتاج بيئة قانونية قاصرة؛ حيث نتحرك باستمرار بين طرح قوانين عفو عام هجينة تُرضي التوازنات الطائفية ولا تُقيم العدالة، ومشروعات قوانين للإعلام تُصاغ لِتحصين السلطة من المساءلة تحت ستار التنظيم، وتشريعات مصرفية قاصرة تُفصَّل على مقاس ناظميها لحماية الحسابات الضيقة لا لإعادة بناء القطاع وضمان حقوق المودعين. هذه النصوص ليست مجرد تعثر تقني، بل هي الأدوات التنفيذية لخدمة الحلول النقدية والموازنات المؤقتة التي تقطع الوقت شهراً بعد شهر، لمنع ظهور الأعراض الحادة التي قد توقظ الشارع من سباته الإجباري.من زاوية نقدية، يمكن استخدام أدوات جان بودريار في تحليل “المحاكاة والوهم”؛ فالسلطة اللبنانية لا تكذب الواقع فحسب، بل تنتج واقعاً افتراضياً موازياً عبر التضخم التشريعي والإعلامي. واقعاً من البيانات والتصريحات واللقاءات واللجان يحل محل الفعل الحقيقي، ويخفي العجز عن التغيير خلف ستار من الحركة الدائمة. وحين لا يعود أحد قادراً على التمييز بين التشريع الذي يُؤَسِّسُ لدولة القانون، والتشريع الذي يُنتج صورة شكلية عن الدولة، نكون قد دخلنا تماماً في منطق المحاكاة. *السردية المقابلة – الوهم كـ “امتصاص للصدمات”* لكن من الظلم النظري اختزال هذه الآلية في خانة السلبية المطلقة، لأن للوهم في لبنان وظيفة قاسية وواقعية في آن معاً.في بلد تتقاطع فيه الضغوط الخارجية القاسية مع هشاشة داخلية مزمنة، يتحول “الوهم والمسكّن” إلى ضابط إيقاع؛ هو الأداة التي تمنع الانفجار الاجتماعي الشامل، وتحفظ الحد الأدنى من الاستقرار الأمني والمؤسساتي. وهو الذي يسمح لمرافق الدولة أن تستمر بالعمل بالحكم المؤقت، وأن تُسيَّر المؤسسات الأمنية والعسكرية بالترقيعات المالية، وأن يبقى السلم الأهلي قائماً رغم كل ما يدعو إلى انهياره.هنا يبرز المنظور المفهومي للمدرسة الواقعية (Realism) كما صاغها هنري كيسنجر؛ حيث تُعد إدارة النزاعات في البيئات المعقدة عبر مساحات رمادية وحلول انتقالية غير حاسمة خياراً عقلانياً لمنع الحروب الشاملة. لبنان، بتركيبته الطائفية وحدوده المفتوحة وتداخلاته الإقليمية، لا يملك رفاهية الحلول البنيوية الناجزة. لذلك يمنح “الوهم” القوى السياسية هامش مرونة للتكيف مع ما لا يمكن مواجهته مباشرة، ويؤجل إعلان الفشل الكامل الذي قد يجر معه انهيار المعبد على الجميع. *تقاطع السرديتين – “فخ التكيف” والوقوع في وهم الواقعية* وهنا نصل إلى المفارقة الأخطر، إلى النقطة التي يتحول فيها الدواء إلى داء.فخ التكيف يبدأ حين تتحول “المناورة التكتيكية” إلى عقيدة حوكمة، وحين يصبح الحل المؤقت هو الاستراتيجية الدائمة. في هذه اللحظة تبدأ الدوائر المغلقة بتصديق أوهامها الخاصة، وتصبح مقتنعة بأن تأجيل الأزمة هو نفسه إدارتها، وأن ترحيل الاستحقاق هو نفسه حله.غير أن الفارق الأكاديمي الأساسي هنا يكمن في عدم الخلط بين الفاعلين: فبينما يمارس الفاعل السياسي “استراتيجية بنيوية للهروب والالتفاف” حمايةً لمصالحه، يمارس المواطن “سلوك تكيّف اضطراري” (Coping Mechanism) للبقاء على قيد الحياة. يُجبر المجتمع على الاستحصال على المسكنات: من الدولار الطازج، إلى الاستثناءات، إلى المبادرات الفردية والحلول الأمنية المؤقتة. ومع الوقت، ترفع السلطة كلفة التغيير البنيوي إلى درجة مخيفة، ليبدو أي إصلاح حقيقي وكأنه تهديد للاستقرار المعيشي اليومي للناس، لا إنقاذاً لهم؛ فنحن لا نخشى الإصلاح لأنه صعب، بل لأن السلطة نجحت في جعل التكيف مع الأزمة شرطاً أخيرًا للاستمرار. *إلى أين يستمر هذا الفن؟* تقف السياسة اللبنانية اليوم عند الحد الفاصل الدقيق بين “فن البقاء” و”استنزاف مقومات الدولة”.لقد أثبتت تجربة السنوات الماضية أن النظام قادر على إنتاج أوهام جديدة كلما انتهت صلاحية القديمة، وقادر على استخدام مبررات الأمس لمصادرة استحقاقات اليوم وتجميد الغد. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم مختلف: هل لا تزال هذه الذرائع تملك المفعول ذاته؟في ظل شروط دولية وإقليمية أكثر صرامة، وفي ظل نضوب القدرة على تمويل التأجيل إلى ما لا نهاية، يبدو أن صلاحية هذا الفن تقترب من نهايتها، أو ربما العكس، ربما نحن على أبواب نسخة جديدة أكثر ذكاءً من الوهم، نسخة تتعلم من أخطاء سابقاتها وتُعيد تغليفها بلغة أكثر عصرية.في الحالتين، تبقى الحقيقة واحدة: لبنان لا يُحكم اليوم بالقرارات الكبرى، بل بإدارة دقيقة لما بين القرارات… وهناك تحديداً يُمات الحاضر بدم بارد، تحت وطأة مبررات لم تعد تقنع أحداً.
