
بقلم إحسان الطبش
من شاشةٍ صنعت جزءاً أساسياً من ذاكرة التلفزيون اللبناني، إلى منصات رقمية تتيح لها الاقتراب أكثر من الناس وقضاياهم، تبدو مسيرة الإعلامية كارين سلامة شاهدة على تحوّلات الإعلام نفسه. سنوات طويلة أمضتها أمام الكاميرا، تنقّلت خلالها بين البرامج الفنية والترفيهية، قبل أن تصل اليوم إلى برنامج “ع سلامة” على شاشة LTV، بالتوازي مع حضور رقمي يمنحها مساحة مختلفة للتعبير والتفاعل.
بدأت سلامة مسيرتها في تلفزيون المستقبل، حيث انطلقت مع افتتاح المحطة، قبل أن تنتقل إلى تقديم البرامج الحوارية والفنية والترفيهية، وتشارك في برامج مختلفة على مدى سنوات.
لكن حين تستعيد سلامة تلك المرحلة، لا تختصرها في سنوات من العمل التلفزيوني والنجاح، بل تتحدث عنها كمرحلة إنسانية تركت أثراً عميقاً فيها.
وفي حديث خاص لموقع ديمقراطيا نيوز، تستعيد سلامة سنواتها في تلفزيون المستقبل، قائلةً إنها لا تعرف إن كانت تستطيع اختصار تلك التجربة “بكم جملة”، قبل أن تختصرها بكلمتين: “أحلى أيام حياتي”.
وترى أن تلك المرحلة “شبّعتها شهرة وإضاءة”، إلى جانب الكثير من التفاصيل التي أصبحت اليوم مرتبطة بصورة النجاح التي يسعى إليها العاملون على المنصات الرقمية. إلا أن الفارق بالنسبة إليها أن الشهرة آنذاك كانت تُعاش أكثر مما تُصوَّر، في وقت أصبح فيه الهاتف حاضراً في معظم اللحظات.
وتقول سلامة إن غياب وسائل التواصل الاجتماعي في تلك الفترة لم يكن نقصاً بالنسبة إليها، بل ربما منحها فرصة للعيش بعيداً عن هاجس التوثيق المستمر، مضيفةً أن ما بقي معها من تلك السنوات ليس فقط الأضواء، بل الأصدقاء والزملاء والذكريات.
وتتوقف بشكل خاص عند العاملين في تلفزيون المستقبل، بمن فيهم أولئك الذين لم يكونوا يظهرون أمام الكاميرا، مشيرةً إلى أنها تشتاق إلى كثيرين منهم، وإلى أن بعضهم رحل، فيما اختار آخرون طرقاً مختلفة بحثاً عن رزقهم.
وتلخّص أثر تلك المرحلة بعبارة تختصر علاقتها بلبنان آنذاك: “علّمتني كتير، فرجتني لبنان. وكيف إذا اجتمع لبنان على المحبة، بيكون كتير حلو”.
من محطة إلى أخرى… والخبرة لا تتوقف
بعد تلفزيون المستقبل، انتقلت سلامة بين أكثر من محطة، من الجديد إلى SBI ثم Orbit، وصولاً إلى LTV، حيث تقدم اليوم برنامج “ع سلامة”. وخلال هذه الرحلة، لم تعتبر أن سنوات الخبرة تعني الوصول إلى مرحلة لا يعود فيها الإنسان بحاجة إلى التعلم.
بل على العكس، تقول إن كل مرحلة جعلتها تكتشف أن الحياة قادرة على مفاجأتها بأشخاص وتجارب جديدة، وأن الخبرة المهنية لا تعني أن الإنسان “شاف كل شي وتعلّم كل شي”.
وعلى الرغم من أنها اضطرت في بعض المراحل إلى إعادة تقديم تجارب سبق أن خاضتها، ترى أن ذلك كان جزءاً من محاولة الاستمرار والعمل في بلد صعب، حيث لا تكون الظروف المهنية دائماً سهلة.
أما تجربتها الحالية مع LTV، فتصفها بالإيجابية، مؤكدة وجود احترام متبادل بينها وبين الإدارة، ومشيرة إلى أنها سعيدة ببرنامج “ع سلامة” وبالمحتوى الذي تقدمه من خلاله.
وسلامة، التي قدمت على الشاشة في LTV برامج “مين قدك” و”ميني مافيا”، ترى أن استمرارها أمام الكاميرا بعد نحو ثلاثة عقود لم يعد أمراً تعتبره مضموناً، بل إضافة جديدة في كل سنة.
وفي هذا السياق، تنظر بواقعية إلى فكرة انتقال الشاشة إلى جيل جديد، معتبرةً أن “ما في شي بيستمر للأبد”، وأن على الإعلامي أن يعرف متى يأتي الوقت لتسليم المهمة إلى “جيل أصغر ودم جديد”.
الإعلام الرقمي… أساس جديد لا يلغي القديم
إذا كانت الشاشة التقليدية قد صنعت حضور كارين سلامة، فإن المنصات الرقمية منحتها مساحة مختلفة للتواصل مع الجمهور.
وترى سلامة أن الإعلام الرقمي هو “الحاضر والمستقبل”، حتى وإن كان من الممكن أن يأتي لاحقاً ما يتجاوزه. لكنها في الوقت نفسه لا تنظر إلى الإعلام التقليدي باعتباره مرحلة انتهت، بل تعتبره الأساس والركيزة التي تمنح الإعلامي أدواته وخبرته.
وبالنسبة إليها، فإن التحدي الحقيقي ليس في الاختيار بين الإعلام التقليدي والرقمي، بل في القدرة على الجمع بين أساسيات الأول ومتطلبات الثاني.
وتربط سلامة جزءاً من تفاعل الجمهور معها بالطريقة التي اختارت أن تظهر بها على المنصات الرقمية: ببساطة ومن دون تصنّع، وبما تعتبره قريباً من شخصيتها وحياتها اليومية.
هي لا تريد، بحسب تعبيرها، أن تقدم نفسها بصورة مصطنعة من أجل المشاهدات، بل تفضّل أن تكون “حقيقية وواقعية وعلى الأرض”، وأن تصل إلى الأشخاص الذين يشبهونها.
حين تدخل المواقف السياسية إلى مساحة الترفيه
لكن حضور سلامة الرقمي لا يتوقف عند الفن والمنوعات. فهي تتناول أحياناً موضوعات اجتماعية ومعيشية، فيما تفضّل الحديث عن آرائها السياسية بصورة أكبر عبر منصة “أكس”.
ولا تخفي أن التعبير عن الموقف قد تكون له كلفة على مستوى الجمهور، إذ تشير إلى أنها خسرت عدداً كبيراً من المتابعين بعد موقف سياسي عبّرت عنه عبر منصة “إنستغرام”.
لكنها لا ترى في عدد المتابعين معياراً لقيمتها، وتؤكد أن خسارة متابعين لا تدفعها إلى التخلي عن رأيها أو تغيير خطابها.
وتقول إنها تفضّل التعبير عن موقفها باحترام، بدل تقديم أكثر من وجه لإرضاء الآخرين، معتبرةً أن الحفاظ على الصدق مع الذات أهم من الحفاظ على أرقام المتابعة.
بين الإعلامية والـ “إنفلوينسر”… أين تقف المهنة؟
ومع اتساع ظاهرة المؤثرين وصنّاع المحتوى، تغيرت أيضاً الحدود بين الإعلام والترفيه والشهرة الرقمية. وفي هذا السياق، تبدي سلامة موقفاً واضحاً من بعض الوجوه التي تعتمد بصورة أساسية على المظهر والصورة المثالية على مواقع التواصل الاجتماعي.
هي لا ترفض الظاهرة بمجملها، لكنها تميّز بين من يقدم محتوى تعتبره حقيقياً وله قيمة، وبين من يكتفي بصورة مثالية لحياة خالية من المشكلات.
وترى أن المشكلة الأوسع تكمن في الطريقة التي أصبحت بها مواقع التواصل مرآة لمجتمعات تعطي المال والشهرة مساحة كبيرة، إلى حد دفع البعض إلى كشف تفاصيل حياتهم وخصوصيات عائلاتهم أمام الجمهور.
وبالنسبة إليها، فإن ما يظهر على السوشيال ميديا لا ينفصل عن الواقع الاجتماعي، بل يعكسه بدرجة كبيرة، ليس في لبنان فقط وإنما في مجتمعات مختلفة حول العالم.
المهنة والعائلة… سباق لا ينتهي
بعيداً عن الشاشة والمنصات، لا ترى سلامة أن مهنتها الإعلامية أخذت من حياتها العائلية بالشكل الذي قد يتوقعه البعض. وتعتبر نفسها محظوظة لأن طبيعة عملها لم تكن مرتبطة بدوام مكتبي طويل، ما أتاح لها العودة إلى منزلها بعد التصوير.
لكنها تعترف في المقابل بأنها عاشت دائماً تحت ضغط أن تكون حاضرة إلى جانب أولادها، إلى درجة أنها كانت تشعر بالذنب لمجرد التأخر عنهم.
وتصف نفسها بأنها “أم للعظم”، وتقول إن هذا الحرص المفرط أتعبها شخصياً، لكنه في المقابل جعلها تمنح أبناءها الكثير من وقتها وتتابع تفاصيل حياتهم عن قرب.
الإعلام اللبناني… من الريادة إلى التراجع
ومن تجربتها الطويلة في الإعلام، تنتقل سلامة إلى تقييم المشهد اللبناني اليوم، ولا تخفي أسفها على ما تعتبره تراجعاً كبيراً لم يعد محصوراً بالفن والمنوعات، بل طال الإعلام اللبناني بمختلف أشكاله.
وترى أن لبنان كان متقدماً على مستوى البرامج السياسية والفنية والاجتماعية، وأن عدداً من الدول العربية نجح خلال السنوات الماضية في بناء تجارب إعلامية وإنتاجية متقدمة.
وتردّ جزءاً من هذا النجاح إلى إعطاء الفرص لأشخاص متخصصين، والاستفادة من خبراتهم، ثم السماح لهم بتطوير التجربة بعيداً عن التدخل المستمر في عملهم.
أما لبنان، فتصف واقعه بأنه “مأساوي على جميع الأصعدة”، معتبرةً أن الإعلام ليس إلا انعكاساً لما يعيشه البلد، تماماً كما الفن والثقافة وسائر القطاعات.
وبين شاشةٍ بدأت معها الرحلة، ومنصاتٍ رقمية فتحت أمامها مساحة جديدة، تواصل كارين سلامة حضورها الإعلامي بعد نحو ثلاثين عاماً أمام الكاميرا. وبينما تبدّلت المحطات والبرامج وطرق الوصول إلى الجمهور، تبدو إحدى الثوابت في تجربتها واضحة: التمسك بصورة الإعلامي القريب من الناس، مع الحفاظ على مساحة خاصة للتعبير عن الموقف والرأي، في زمن لم تعد فيه الشاشة وحدها تصنع العلاقة بين الإعلامي وجمهوره.
