حين يصبح الفن امتحاناً للولاء: إليسا في قرطاج بين الجمال والسياسة


بقلم الياس عيسى الياس

عن خطورة تحويل المسرح إلى ميدان للمزايدات وإلزام الفنانين باختبارات ولاء قسرية.
 
شاهدتُ الفيديو، مثل ملايين غيري، على شاشة الهاتف أثناء التصفح السريع لمواقع التواصل الاجتماعي.
 
ثوانٍ قليلة في حفل مساء 15 أغسطس/آب 2026، ضمن الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي، كانت كفيلة بإشعال موجة جديدة من الهجوم والمحاكمات السريعة: كوفية تُرمى على المدرّجات الأثرية للمسرح الروماني، إليسا تلتقطها، تنظر إليها لثوانٍ، ثم تعيدها بهدوء للجمهور وتكمل غناءها.
 
في تلك اللحظة، لم أرَ مجرد حركة عادية في حفل غنائي؛ بل شعرتُ بضيق حقيقي من الحالة التي وصل إليها جوّنا العام، ومن الخوف الذي صرنا نعيشه تحت سطوة الشاشات والتعليقات.
 
هذه اللقطة تفرض علينا أن نفهم ما جرى بوعي؛ فالموضوع يحتمل القراءة من زوايا مختلفة تُفسر ما حدث على المسرح.
 
الزاوية الأولى تُعبر عن رأي المنتقدين—ومنهم سياسيون ونقابيون ونشطاء تونسيون—الذين ينطلقون من أن الكوفية رمز غالٍ للتضامن مع فلسطين في الشارع التونسي.
 
هؤلاء رأوا في تصرف إليسا تراجعاً لا يراعي قيمة هذا الرمز، خصوصاً أنها ارتدت كوفية فلسطينية مماثلة في حفل سابق عام 2024.
 
أما الزاوية الثانية، فترى أن رمي الكوفية على الخشبة بهذه الطريقة لم يكن مجرد تعبير عفوي عن التضامن، بل ينطوي على استدراج مباشر لمحاصرة الفنانة أمام الكاميرات.
 
الهدف، بحسب هذه القراءة، إحراجها لإجبارها على موقف محدد أو اتهامها فوراً بالخيانة، خصوصاً مع مواقفها السياسية المعروفة.
 
الزاوية الثالثة تخص إليسا نفسها. بعيداً عن التحليلات المعقدة، يُمكن فهم تصرفها بوضوح على أنه رد فعل طبيعي لشخص يرفض أن يُفرض عليه شيء بالقوة.
 
إليسا، بسلوكها اللحظي، أرادت أن تقول إنها ترفض تحويل حفلها إلى مكان لتصفية الحسابات.
 
هي تمسكت بحقها كفنانة في أن تعبر عن تضامنها بالطريقة التي تراها وفي الوقت الذي تختاره، لا تحت ضغط الكاميرات وهتاف الجمهور.
 
هذا الموقف يكشف عن مشكلة أصبحت تتكرر في كل مكان، حتى في الملاعب الرياضية. صرنا نتعامل مع الفنان أو اللاعب وكأنه متهم، وصرنا ننتظر منه في كل مناسبة أن يثبت لنا براءته وولاءه!
 
التضامن الحقيقي والتعاطف الإنساني قيمته في أنه يخرج من القلب وبإرادة صاحبه، وليس خوفاً من كلام الناس أو هجوم وسائل التواصل.
 
وحين نُجبر أحداً على رفع رمز معين، فنحن نُفرغ الرمز من معناه الجميل ونحوله إلى أداة لترهيب الآخرين.
 
من حق الناس أن تحزن وتغضب وتدافع عن قضاياها، لكن ليس من حقنا أن نجبر الفنان على اتباع أسلوبنا.
 
الناس تذهب للحفلات لكي ترتاح قليلاً، ولتبحث عن مساحة فرح تأخذها بعيداً عن مشاكل الحياة وضغوطها اليومية.
 
إليسا آتية من بلد عاش وما زال يعيش حروباً وجراحاً كثيرة، ومن حقها ألا تُساق رغماً عنها إلى معارك لم تخترها.
 
كما أن تبدّل التفاعل اللحظي للفنان لا ينبغي أن يُتخذ ذريعة لمحاسبته وكأنه إعلان سياسي دائم.
 
المشكلة لم تكن يوماً في الكوفية التي صعدت للمسرح ثم عادت للجمهور، بل في السؤال الذي تتركه وراءها:
 
هل أصبحنا لا نعرف كيف نتحدث مع بعضنا إلا بلغة الاتهامات والتخوين؟ أم أنه ما زال بإمكاننا أن نترك مساحة للفن والجمال، نلتقي فيها كبشر دون أن يطلب أحدنا من الآخر إثبات ولائه؟

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top