
بقلم راما الجراح
لم تعد الساحة السورية مجرد مساحة لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية، بل تتحول تدريجياً إلى نقطة اختبار حقيقية للعلاقة المتوترة بين تركيا وإسرائيل. فالضربة الإسرائيلية على قاعدة أبو الظهور لم تأتِ في سياق أمني منفصل، بل فتحت الباب أمام مرحلة أكثر حساسية، تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع صراع أوسع حول شكل سوريا الجديدة، ودورها الإقليمي، وطبيعة علاقاتها مع أنقرة وتل أبيب.
وفي وقت تواصل فيه تركيا تعزيز انخراطها في الملف السوري، ولا سيما على المستويين العسكري والأمني، تبدو إسرائيل أكثر قلقاً من تنامي القدرات العسكرية السورية ومن الدور التركي في إعادة بناء مؤسسات الدولة السورية. وبينما ترى أنقرة في سوريا مستقرة وقوية ومنسجمة مع محيطها التركي والعربي مصلحة استراتيجية، تبدو الرؤية الإسرائيلية قائمة على مقاربة مختلفة، عنوانها منع قيام سوريا قوية قادرة على استعادة دورها الإقليمي.
يرى الباحث السياسي المتخصص في الشؤون التركية والإقليمية محمود علوش في حديث خاص لـ”ديمقراطيا نيوز”، أن الضربة الإسرائيلية على قاعدة أبو الظهور تشير إلى ارتفاع مستوى مخاطر الاحتكاك والمواجهة بين تركيا وإسرائيل، معتبراً أن الضربة كانت مصممة لاختبار مدى عزيمة أنقرة في مواصلة دعم وتسليح الجيش السوري.
ويشير علوش إلى أن مشكلة إسرائيل مع تركيا لا تتعلق فقط برغبة أنقرة في امتلاك وجود عسكري استراتيجي في سوريا، وإنما أيضاً بدورها في تأسيس جيش سوري جديد وتسليحه، لافتاً إلى أن إسرائيل ترى في أي تنامٍ للقدرات العسكرية السورية تهديداً لأمنها.
وبحسب رأيه، فإن التطورات الأخيرة تضع الطرفين أمام مرحلة جديدة من المواجهة، وهي مرحلة عالية المخاطر ويمكن أن تنزلق إلى مستويات أكبر إذا لم تمارس الولايات المتحدة دوراً في كبح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، حيث يرى علوش أنه بات أكثر تهوراً في التعامل مع تركيا من أي وقت مضى.
ولا يختصر علوش الخلاف بين أنقرة وتل أبيب في إطار صراع تقليدي على النفوذ داخل سوريا، بل يرى أن جوهر الأزمة يرتبط برؤيتين متناقضتين لمستقبل الدولة السورية. ويوضح أن التصعيد الإسرائيلي في الخطاب والتحركات ضد تركيا ودورها في سوريا يعكس ارتباكاً استراتيجياً إسرائيلياً من سوريا الجديدة، خصوصاً مع ظهور نظام جديد يرتبط بعلاقات وثيقة مع أنقرة، وفتح دمشق الباب أمام تركيا للعب دور أكثر تأثيراً في الشرق الأوسط.
ويضيف أن الرؤية التركية تنطلق من اعتبار استقرار سوريا وقوتها وانسجامها مع محيطيها التركي والعربي مصلحة استراتيجية، في حين تقوم الرؤية الإسرائيلية، بحسب تقديره، على أن سوريا المقسمة والمجزأة والضعيفة وغير المنسجمة مع محيطها التركي والعربي تخدم الأمن القومي الإسرائيلي.
وفي خضم هذا التصعيد، تجد دمشق نفسها أمام معادلة شديدة الحساسية. فبحسب علوش، تدرك سوريا أن علاقاتها الاستراتيجية مع تركيا يمكن أن تساعدها في تحقيق نوع من التوازن أمام التهديدات الإسرائيلية، فيما لا تقتصر هذه العلاقة على الجانب العسكري، بل تشمل دورًا تركيًا أساسياً في إعادة بناء سوريا ومؤسساتها، ولا سيما في المجالين العسكري والأمني.
ويرى علوش أن أحد دوافع التصعيد الإسرائيلي هو محاولة تقويض التحالف التركي–السوري وإثارة الشكوك بشأنه ورفع تكاليف هذا التحالف على الرئيس أحمد الشرع، إلا أن ذلك لا يغيّر، وفق تقديره، طبيعة العلاقة الاستراتيجية بين دمشق وأنقرة.
أما مستقبل التصعيد، فيرتبط بثلاثة عوامل رئيسية، وفق علوش، أولها الحدود التي يمكن أن يصل إليها نتنياهو في رفع مستوى التوتر مع تركيا، وهي حدود لا تزال غير واضحة، خصوصاً بعدما أظهر التصعيد الأخير استعداداً إسرائيلياً لرفع مستوى المخاطر. وثانيها مدى قدرة الولايات المتحدة على التأثير في سلوك نتنياهو تجاه تركيا وسوريا. أما العامل الثالث، فيتمثل في كيفية استجابة أنقرة للتصعيد الإسرائيلي، خصوصاً إذا بلغ مستويات أعلى.
ويحذر من أن أي تردد تركي في مواجهة التصعيد الإسرائيلي قد يُفسر في تل أبيب باعتباره نقطة ضعف، بما قد يقود إلى الاعتقاد بأن كلفة رفع مستوى التوتر مع أنقرة لا تزال منخفضة. وفي المحصلة، لا يرى علوش أن ما يجري مجرد خلاف على النفوذ داخل الجغرافيا السورية، بل يعتبر أن جانباً من الصراع هو على مستقبل سوريا وتموضعها الجيوسياسي بدرجة أساسية، معتبراً أن المشهد يعكس صراع مشاريع وإرادات بين رؤيتين إسرائيلية وسورية متناقضتين تماماً.
