بالصّوت العالي .. أعيدوا لنا “تيّار المستقبل”

بقلم خالد صالح

هذا الزّمــان تبـدّلت أحـواله
وغدا نعيق الفاسدين صهيلا
وجهُ الحقيقةِ أظلمتْ أرجاؤه
وفـمُ العـدالةِ أتـقنَ التضـليلا
الرافعونَ بكلّ زيفٍ مجدَهم
أخذوا السفاهة في الدروب خليلا
والقابعونَ على كراسي جهلهم
ألفوا النفاقَ وأدمنوا التطبيلا ..

تيار من رحم الفجيعة

شكّل “تيّار المستقبل” على مدى عقدين ونيّف استثناءً في تركيبةِ السياسة اللبنانية، قبل أن يتحوّل تدريجيًا إلى “متاهة” المناورات مرغمًا، لأنّ الواقعَ اللبناني يختلفُ كثيرًا عن حقيقةِ هذا التيّار الذي خرجَ من رحمِ تلكَ الأصوات التي صدحت بها الحناجرُ المجروحة والقلوب الممزقة ظهيرة الرابع عشر من شباط 2005 في ساحةِ الجامعة الأميركية في بيروت .
الحقيقةُ المطلقة أن الرئيس الشهيد رفيق الحريري لم تكن تستهويه فكرةُ الأحزاب، وهو الذي خَبِرَ أسرارَها قبل أن يلجَ دهاليز السياسة المحلية، من زاويةِ الاعتدال والوسطية التي مارسَها بأسلوبٍ فريد، كان يؤمن منذ اللحظة الأولى له في سدّة الرئاسة الثالثة أن هناك “أجنحة حريرية” تحتاجُ إلى وضعِها في أطرٍ تنظيمية تواكبُ الناس ولا تُحاكي الأحزاب ولا تتقيّد بقوانينها الصارمة .
عبر “تيّار المستقبل” مع المؤسّس الأول الرئيس الشهيد حدود المناطق ومتاهات الطوائف، لم يكن متطلبًا في رؤيته لـ “التيار”، جلّ ما كان يُريده تيار ذي هيكلية مقبولة بلا تعقيدات، أهدافه تتلخص برؤية لبنان المزدهر والمتطور والقابل لخوض التحدّيات كافة مع بداية الألفية الجديدة، والاستثمار في الإنسان الدعامة الأكبر والأهم في مشروعه ورؤيته لبناء الوطن .
بعد الفجيعة التي أصابتنا بمقتل ورؤيتنا لأحلامنا وهي تتهاوى دفعة واحدة، كان لابدّ لورثة الرئيس الشهيد، عائليًا وسياسيًا، أن يحملوا الراية نفسَها لاستكمال أحلامِه وتجسيدها واقعًا يضعُ المداميك الثابتة لها، فكان “سعد الحريري” الذي واجه تحدّيات جمّة لملء الفراغ الهائل الذي خلّفه الاغتيال والعمل بجدّية لاستثمار الالتفاف الشعبي الكبير العابر للطوائف والمناطق، والانخراط في توحيد الرؤيا رغم الاختلافات والتباينات بين مكونات “مستقبل الأب” وفريقه، وتقديمها كـ “تيّار المستقبل” الرؤيا الجامعة والشاملة التي تجعلُ الانخراط في دهاليز السياسة اللبنانية أمرًا ثابتًا، والتحوّل إلى ركن قوي يُمهّد الطريق نحو مشروعية تنفيذ أحلام المؤسس الشهيد .

عقبات واجهت الأداء

لم يكن أداء “تيّار المستقبل” خلال العقدين الماضيين على قدر التطلعات، وذلك لأسباب كثيرة أهمها أن الذين استثمروا في أروقةِ التيّار لمصالح شخصية أكثرَ من الذين وضعوا الوطنَ وإرثَ الرئيس الشهيد في قائمة الأولويات، وأن البعض وجدَ في التيّار الفرصة السانحة للإرتقاء و “العربشة” لبلوغ غاياته فسار في ركبه إلى حين، وبدأ البعض الآخر السعي لتبوأ المراكز العامة والخاصة وبعد تحققِ هذا الأمر انقلب على عقبيه ومارسَ “الردّة الدنيئة” ..
كان لتوالي الأزمات السياسية انعكاسه على قيام التيار بخطوات تنظيمية كبيرة، تُعيد ترميم الترهّل الذي أصابه، فتمّ ترحيل مؤتمره العام أكثر من مرة منذ الـ 2020 ولم يُعقد حتى الآن، ولم تتوافر اللحظة السياسية المؤاتية ولا الأجواء العامة ساعدت في تحقيق هذا الأمر، وجاءت خطوة الرئيس سعد الحريري بتعليق العمل السياسي التقليدي لتكشف عورات كثيرة عن أسماءٍ بلغت مراتبَ عُليا داخل التيّار، وبرزت بعض المشكلات التي لها علاقة بالحساسيات المناطقية والأحجام والأدوار داخل “البيت الأزرق”، الأمر الذي وضعه على مفترق طرق دقيق وحسّاس .
ولعل مبدأ الحفاظ على المرونة التي يؤمّنُها التيّار بديلًا عن التشدّد في الالتزام الذي يفرضه قانون الأحزاب مع ما يعنيه ذلك من صرامة في التعاطي تزيد الحساسيات، إذ أن هناك مَن “فاتح على حسابه” ومتمسّك في الوقت نفسه بالموقع التنظيمي، يتصرّف كأنّه لا إمكانية للتخلي عنه أو استبداله، على الرغم من أن عدد الملتزمين فعليًا وفي النقابات أو تحت لواء شباب المستقبل أو نساء المستقبل أو الكشافة وسواهم هم أقلّ بكثير ممن هواهم “مستقبلي” أو “حريري”، وهذه هي القاعدة الأساس التي تستندُ عليها زعامة “سعد الحريري” ويتحدّث باسمهم على الدوام، أكثرية كانت مع الرئيس الشهيد في خيارِ الوسطية والاعتدال ومستمرة مع الإبن بعيدًا عن أيّ أطرٍ تنظيمية .

نريد تيّارنا

شكّل “تيّار المستقبل” مساحةً وطنيةً كبيرة بالرغم من محاولة إلباسه ثوب “السنّية السياسية” لجعله موازيا للأحزاب القائمة التي تتسم بهوية طائفية أو مذهبية، هذا الأمر أتاح المناخ للمصطادين في المياه الطائفية واللعبِ على أمواجِها أن يستثمروا فيه، وكثُرت الأصوات الناطقة باسمه من كلّ حدب وصوب، بشكلٍ يتعارضُ مع ماتراه “القيادة المستقبلية” أو ما يريده الرئيس سعد الحريري، خصوصًا في ظلّ التعقيدات التي يعيشها لبنان، وغياب أيّ مشروع للتيّار الأزرق أقلّه حتى الساعة .
“تيّار المستقبل” هو صدى الناس وصوتُهم، هو المسارُ الوطني البعيد عن لغاتِ التفرقة والتشرذم والانقسامات العمودية الحادّة، ورغم امتلاكه ذاتَ يومٍ أكبر كتلة نيابية سنية لكنه كان “واسطة العقد” التي تقفُ بين الأطراف المتخاصمة، ودفعَ غاليًا من حضوره ومن قياداته في سبيل التمسّك بهذه الروحية، هو التيّار الذي أراده الرئيس الشهيد عابرًا للطوائف ومبددًا للمخاوف، وهو من قال :”لبنان للجميع ونريد العيش فيه بكرامة مسلمين ومسيحيين”، وعلى هذا سنبقى .
ولأن “الساكت عن الحق شيطان أخرس”، آن الأوان إلى إعلان “حالة الطوارىء” داخل صفوف التيار لمواكبة التطورات والمتغيرات الداخلية والخارجية، وإزالة الشوائب التي تعتريه لاستعادة البريق المعهود عنه، ووضع الأسس الصحيحة لضبط أداءِ البعض ممن يشغلون مراكزَ قيادية، لأنّ “تيار المستقبل” ليس “حارة كل مين إيدو إلو”، وليس حاجة خاصة لهذا ولا “كيان مستقل” بذاته لذاك، هو التيّار الذي يستطيع أن يُبشّر بولادة “لبنان” الذي نحبّ أن نراه، نريد أن نستعيد “تيارنا” الذي نسمو به فوق الأحقاد والضغائن ..
اليوم وقبل الغد نرفع الصوت عاليًا : أعيدوا لنا تيّارنا !! ..

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top