
بقلم الياس عيسى الياس
ليس ما نعيشه اليوم أزمة سياسية عابرة تُدار في الصالونات، بل مشهد فاجع يستحضر إلى الأذهان تلك الصورة الأدبية التي صاغها الكاتب الألماني سباستيان برانت عام 1494 في كتابه “سفينة الحمقى”؛ حيث تُترك سفينة بلا ربّان، يمتلئ متنها بحمقى يتصارعون عشوائياً بلا بوصلة، بينما المياه ترشح من قاعها حتى تغرق.
ويبدو المشهد اللبناني اليوم وكأنه يستعيد الحكاية بحذافيرها؛ إذ يتصارع الفرقاء على السلطة والنفوذ في لحظة فارقة يهدد فيها الغرق الجميع.
غير أن السياسة حين تغيب عنها الدولة لا تبقى مجرد سجالات، بل تتحول إلى أجساد تدفع الثمن وأرزاق تتبدد.
تذكرت ذلك وأنا أصغي إلى صديقي “محمود”، الجنوبي الذي خسر في حرب سابقة بيت أهله وذكريات طفولته، واليوم يعود ليخسر بيته الذي بناه بشق العمر. قال لي بنبرة تخالطها الخيبة: «كل شيء دُمّر في قريتنا، لكنّ شجرة الزيتون المعمرة أمام بيتي، تلك التي زرعها أجدادي، ما تزال صامدة وحدها وسط الركام. لم نعد نخشى القصف وحده، بل نخشى أن نتحول إلى ضيوف دائمين في وطننا، نتنقل بين بيوت الإيجار والنزوح في رحلة تهجير لا تنتهي».
حديث محمود هو تجسيد حي للسؤال الجوهري: هل قُدِّر للجنوب أن يظل مجرد ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية، أم يستعيد موقعه الطبيعي ركناً أصيلاً في دولة تملك وحدها زمام المبادرة؟
فالخطر الحقيقي اليوم يكمن في أن يتحول النزوح المؤقت إلى واقع ديموغرافي دائم يُفرغ المنطقة الحدودية من أهلها ويهدد وجودهم الاجتماعي.
إن طبيعة التدمير العسكري الإسرائيلي الممنهج للمنازل والبساتين تثير مخاوف جدية من فرض أمر واقع يجعل الأرض غير قابلة للحياة. ويدفع هذا التدمير تدريجياً نحو إيجاد حزام خالٍ من السكان لتأمين حسابات أمنية دون التزام بترتيبات سياسية أو ضمانات دولية.
وتستحضر الذاكرة الوطنية قضية “القرى السبع” (ومنها هونين والمالكية وقدس)، لا من باب المطابقة الحرفية بين الحالتين التاريخيتين، بل بوصفها جرس إنذار يحذر من مخاطر التأخير في العودة وحرمان الأهالي — أمثال محمود — عملياً من استعادة أرضهم.
لكن مواجهة هذا الخطر لا تقف عند حدود التصدي للاعتداءات الخارجية، بل تتطلب الشجاعة لمواجهة أزمة السيادة المزمنة المتجلية في ارتهان الخيار العسكري لحسابات المحور الإقليمي، وشلل المنظومة السياسية وإضعاف مؤسسات الشرعية.
فحين يُصادَر الخيار الاستراتيجي من خارج الأطر الدستورية، وتتحول الخسائر البشرية وآلام الناس إلى مجرد أوراق ضغط على طاولات التفاوض، يصبح المواطن الجنوبي هو الطرف الوحيد الذي يدفع الثمن.
إن التجربة الميدانية أثبتت أن الخيارات الخارجة عن سلطة المؤسسات الرسمية لم توفر الحماية للجنوب.
كما أن خوض الدولة للمفاوضات لترسيخ التهدئة وتثبيت الحدود ليس تنازلاً، بل هو من صميم ممارسة القرار الوطني المستقل ضمن الصلاحيات الدستورية التي تملك وحدها حق قرار الحرب والسلم.
وعلى الأرض، يتطلب الخروج من هذه العاصفة مساراً ينطلق من صيغة سياسية تُنهي الانقسام وتلتزم بالقرارات الدولية وفي مقدمتها القرار 1701. يأتي ذلك بالتوازي مع تولّي المؤسسات الدستورية مسؤولياتها في وضع استراتيجية دفاعية تكفل بسط سلطة الجيش والقوى الأمنية الشرعية على كامل الأراضي الجنوبية.
غير أن هذه الخطوات تظل ناقصة ما لم تقترن باستراتيجية إعمار وتنمية شاملة تُعيد بناء القرى وتنعش القطاعات الإنتاجية؛ فالمواطن الذي لا يجد مدرسة لأبنائه، أو مستشفى، أو فرصة عمل، لن يستطيع البقاء في أرضه حتى لو توقف إطلاق النار.
فالسيادة الحقيقية هي جعل حياة الإنسان ممكنة وكريمة على أرضه.
إن الجنوب لا يحتاج إلى هدنة أمنية مؤقتة تُؤجّل انفجار الأزمة، بل إلى استعادة الصلاحية السيادية وإعادة بناء دولة تحمي حدودها وترعى مواطنيها. لا يكمن الخلاص في معادلات الغالب والمغلوب، بل في التواضع أمام أوجاع الناس؛ فالجنوب ليس مسرحاً لتبادل الرسائل القاسية، والدولة ليست طرفاً بين الفرقاء، بل هي سفينة النجاة والأفق الذي يتسع للجميع.
وحين ينتقل الجنوب من موقع الساحة المفتوحة إلى كنف الدولة، تصبح عودة محمود إلى أرضه وظل زيتونته العتيقة بدايةً لاستعادة لبنان نفسه. لا مجرد استراحة بين جولة وأخرى من التهجير.
