
بقلم ملاك الصميلي
من قطع الطرقات وإشعال الإطارات إلى التلويح بخطوات مفتوحة على جميع الاحتمالات، رفع العسكريون المتقاعدون سقف المواجهة مع الحكومة، احتجاجاً على خلوّ مشروع موازنة 2027 من أي تصحيح فعلي لرواتبهم ومعاشاتهم. وبين حقوق يعتبرها العسكريون ثمناً مستحقاً لسنوات الخدمة، وتحذيرات اقتصادية من زيادة رقمية قد يلتهمها التضخم سريعاً، تدخل الحكومة اختباراً دقيقاً: كيف تنصف أصحاب الحقوق فيما خزينة الدولة عاجزة عن تحمّل التزامات إضافية؟
وفي حديث خاص لموقع “ديمقراطيا نيوز”، كشف العميد المتقاعد جورج نادر أن مسار التفاوض مع الحكومة بدأ منذ أيار 2025، حين التقى وفد العسكريين المتقاعدين رئيس الحكومة ووضعه أمام واقعهم المعيشي، وقدّم إليه مطالب قانونية واضحة، بعدما تراجعت قيمة أعلى معاش يتقاضاه العسكري المتقاعد إلى نحو 18% فقط من قيمته قبل الأزمة.
وأوضح نادر أن الحكومة أقرت يومها بمنطقية المطالب وقانونيتها، وأعطت العسكريين وعوداً بالمعالجة، لافتاً إلى أن الطرح كان يقضي برفع قيمة الرواتب تدريجياً لتصل، مع نهاية عام 2026، إلى 50% مما كانت عليه قبل الأزمة، ثم إضافة 10% كل ستة أشهر، وصولاً إلى استعادة قيمتها كاملة بحلول عام 2028.
وأشار إلى أن الحكومة قررت في 16 شباط 2026 منح العسكريين ستة رواتب إضافية اعتباراً من الأول من آذار، لكنه شدد على أن عبارة “ستة رواتب” قد توحي بأرقام لا تعكس الحقيقة. فالعسكري الذي يبلغ راتبه الأساسي مليوناً ونصف مليون ليرة، لا يحصل بعد مضاعفته ست مرات إلا على تسعة ملايين ليرة، أي ما يقارب مئة دولار فقط.
وبحسب نادر، تزامن موعد بدء تنفيذ القرار مع اندلاع الحرب وما رافقها من قتل وقصف ونزوح وتشريد، ما دفع العسكريين المتقاعدين إلى تعليق تحركاتهم، انطلاقاً من اعتبارات أخلاقية وإنسانية، إلى حين هدوء الأوضاع.
إلا أن المفاجأة، وفق نادر، كانت في خلوّ مشروع موازنة 2027 الذي تدرسه الحكومة من أي زيادات أو تقديمات للعسكريين، الأمر الذي دفعهم إلى العودة إلى الشارع والتصعيد وقطع الطرقات، بالتوازي مع إجراء اتصالات مع عدد من الوزراء.
وكشف نادر عن تشكيل لجنة مشتركة بين ممثلي العسكريين والحكومة لدراسة كلفة المطالب، مشيراً إلى أن الدراسة أظهرت فارقاً يقارب النصف بين تقديرات الطرفين. وبعد إعداد دراسة ثانية، تلقى العسكريون وعداً بإدراج مطالبهم كبند ضمن مشروع قانون الموازنة.
وحذّر نادر من أن عدم وضع هذا البند على جدول أعمال جلسة الحكومة سيدفع العسكريين إلى تصعيد تحركاتهم، مؤكداً أن “كلّ الخيارات ستكون واردة”، في رسالة واضحة بأن الاحتجاجات لن تبقى محصورة بتحركات رمزية إذا لم تُترجم الوعود الحكومية إلى قرارات فعلية.
لكن في مقابل رفع العسكريين سقف تحركهم، تبرز معضلة اقتصادية تتعلق بقدرة الدولة على تمويل أي زيادة بصورة مستدامة. وفي هذا السياق، قدّم الباحث المقيم لدى كلية سليمان العليان لإدارة الأعمال في الجامعة الأميركية في بيروت محمد فحيلي، في حديث خاص لـ”ديمقراطيا نيوز”، قراءة اقتصادية تميّز بين مشروعية المطالب وإمكان تنفيذها.
وأكد فحيلي أن تآكل القدرة الشرائية جعل رواتب موظفي القطاع العام غير كافية لتغطية أبسط متطلبات الحياة، لكنه شدد على أن الاعتراف بأحقية المطالب لا يعني أن الدولة تمتلك الموارد اللازمة لتمويلها.
وأوضح أن أي تصحيح للرواتب يحتاج إلى إيرادات ثابتة ومتكررة، لأن الرواتب التزام دائم وليست نفقة استثنائية لمرة واحدة، فيما تعاني الدولة من تقلّص قاعدتها الضريبية واتساع اقتصاد الظل، حيث يجري جزء كبير من النشاط الاقتصادي خارج الرقابة والتسجيل الرسميين.
وأضاف أن عدم الاستقرار الأمني لا يرتب أعباء إضافية على الدولة فحسب، بل يطرد الاستثمارات ويحدّ من النشاط الاقتصادي المنتج، بالتزامن مع انكماش اقتصادي حاد يقلّص حجم الإيرادات، وتكاليف نزوح تضغط بصورة مستمرة على الخدمات والبنية التحتية والموازنة العامة.
وحذّر فحيلي من أن إقرار زيادة من دون تأمين إيرادات فعلية يضع الدولة أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما التمويل النقدي عبر ضخ المزيد من العملة، ما يؤدي إلى ارتفاع التضخم وتآكل قيمة الزيادة، وإما الاستدانة، وهو خيار شبه مغلق أمام دولة فقدت قدرتها على الوصول إلى الأسواق الدولية وتواجه أزمة ديون لم تُعالج بعد.
ورأى أن زيادة الراتب على الورق لا تعني بالضرورة تحسينه فعلياً، لأن أي زيادة اسمية لا تحمي القدرة الشرائية قد تتبخر خلال أشهر تحت وطأة التضخم وارتفاع الأسعار.
و ختم فحيلي أن الحل المستدام يبدأ بإصلاح ضريبي حقيقي، وإعادة دمج اقتصاد الظل ضمن الاقتصاد الرسمي، وتعزيز الاستقرار الأمني لاستعادة الاستثمار، وتحقيق نمو يوسّع القاعدة الضريبية، قبل الالتزام بزيادات قد تعجز الدولة عن تمويلها لاحقاً.
