بشير الجميل: رئاسة لم تبدأ ماذا لو أتيح لمشروعه أن يُختبر؟

بقلم الياس عيسى الياس

في 23 آب 1982، انتُخب بشير الجميل رئيساً للجمهورية اللبنانية، لكن الرئاسة بقيت بالنسبة إليه موقعاً لم يدخله.

ففي 14 أيلول—بعد اثنين وعشرين يوماً فقط من انتخابه وقبل تسعة أيام من الموعد المحدد لتسلّمه الرسمي للرئاسة ودخوله قصر بعبدا—اغتيل مع عدد من رفاقه في انفجار استهدف مقر حزب الكتائب في الأشرفية.

ومنذ ذلك اليوم، وفي الذكرى الـ44 لاستشهاده، يتجدد في 14 أيلول من كل عام السؤال ذاته في الذاكرة اللبنانية: ماذا كان يمكن أن يصبح عليه لبنان لو أُتيح لرئاسته أن تبدأ؟

لكن ثمة طريقة أكثر انضباطاً وموضوعية لطرح هذا السؤال.

لا تكمن القيمة في محاولة كتابة تاريخ افتراضي لا يملك أحد إجاباته القاطعة، بل في العودة إلى ما كانت وسائل الإعلام الأميركية تراقب حدوثه في تلك الأسابيع الفاصلة بين الانتخاب والاغتيال، حيث حبس اللبنانيون أنفاسهم بين أمل عريض بولادة وطن جديد وخوف دائم من اغتيال الحلم.

وتكتسب هذه الأرشيفات قيمتها الاستثنائية تحديداً من كونها صدَرت عن مراقبة صحفية خارجية حذرة لم تكن متعاطفة سلفاً مع “قائد حرب”، مما يجعل رصدها لبروز مشروع الدولة لديه شهادة موضوعية متجاوزة للسجالات الحزبية اللبنانية.

كشفت التغطيات الصادرة آنذاك في صحيفتي “نيويورك تايمز” و”واشنطن بوست” الصورة التي تشكلت في واشنطن لزعيم يخوض انعطافة لافتة وسريعة.

فبعدما ارتبط صعوده ببيروت الشرقية وقيادة “القوات اللبنانية” في خضم مواجهات نشأت أساساً من شعور عميق بتهديد وجودي يطال كيان المجتمع والدولة معاً، دخل بالانتخاب مرحلة سياسية مختلفة.

راحت الصحافة الأميركية ترصد فيها محاولته الانتقال من منطق القوة إلى منطق الدولة وبناء التوافق الوطني.

لم تكن الصحافة الأميركية تجهل الخلفية العسكرية للجميل، ولم تتجاهل دوره المباشر في قيادة القوة المسلحة الأساسية في البيئة المسيحية.

لكن الانعطافة التي شدّت انتباه المراقبين تجسدت في أنه، فور انتخابه، بدأ يتحدث بلغة الدولة ومؤسساتها، داعياً إلى جمع السلاح وإعادة بسط سلطة الجيش اللبناني على كامل الأراضي اللبنانية دون استثناء.

سلط المراسل كولين كامبل الضوء في صحيفة “نيويورك تايمز” (15 أيلول 1982) على هذا المسار الجديد، حيث لاحظ المراقبون بداية تحول عملي في الخطاب والأولويات، وإن ظلت الأسئلة مفتوحة حول قدرته على إنهاء تعدد مراكز القوة والاعتماد الحصري على المؤسسات الرسمية.

لم تعتبر التغطية أن التبدل قد اكتمل، لكنها رصدت بداياته بأسئلة تتصل بقدرته على التوفيق بين ماضيه التنظيمي ومستقبله الرئاسي.

ولم يكن هذا التوجه مستنداً فقط إلى تحليلات الصحفيين؛ بل رصدت “واشنطن بوست” في أعدادها المنشورة إبان تلك الفترة خطاباً صادراً عن بشير نفسه، شدد فيه على أن القوة المسلحة يجب ألا تبقى أداة لإدارة الخلافات، داعياً إلى نقل التعددية اللبنانية نحو تسوية النزاعات بالوسائل السلمية والدستورية.

ظهرت هذه الصورة المركبة بوضوح في تقارير صحفية متعددة إبان تلك الفترة.

فمن جهة، رأى مراقبون في تقارير أعدها برنارد غويرتزمان أن الجميل يملك القوة الفعالة اللازمة لإعادة بناء سلطة مركزية وتثبيت الاستقرار في بلد ممزق.

وفي المقابل، سجلت تقارير أخرى، ومنها ما غطاه برنارد نوسيتر، حذراً وتوجساً شديدين لدى قطاعات من القوى الإسلامية والوطنية والفلسطينية التي رأت فيه طرفاً رئيساً في النزاع الأهلي.

أفردت صحيفة “واشنطن بوست” مساحة أوسع لاختبارات هذه النقلة السياسية.

ففي 17 أيلول 1982، كتب المحلل فيليب غيلين مقالاً بعنوان “مهمة الجميل المجهضة”، بيّن فيه أن اندفاع الجميل نحو الانفتاح وسعيه لتشكيل حكومة توافقية، حتى لو أملته مقتضيات الرئاسة والبسط العملي للسلطة، كان تحولاً حقيقياً وبدأ يؤتي أثره في الشارع السياسي.

واستند غيلين إلى شهادة للسيناتور الأميركي أرلن سبكتر الذي التقى الجميل في بيروت قبل اغتياله بأيام.
ونقل عن سبكتر أنه وجد رجلاً يحمل هماً ثقيلاً وقلقاً شديداً بشأن اجتماعه المرتقب مع رئيس الوزراء السابق صائب سلام.

وكان هذا القلق، في قراءة غيلين، إدراكاً من الجميل بأن نجاح مشروعه الرئاسي مرتهنٌ بتشكيل ائتلاف وطني وحشد القوى التوافقية.

أما في العلاقة مع إسرائيل، فقد كشفت شهادة سبكتر أبعاداً ذات حساسيات عالية.

نشأت تلك العلاقة في أصلها من تحالف ميداني فرضته ظروف الحرب ومواجهة الوجود الفلسطيني المسلح، غير أن الشهادات المعاصرة أظهرت استقلالاً حاسماً للقرار الرئاسي بعد الانتخاب؛ إذ أبدى الجميل انزعاجاً صريحاً من الضغوط الإسرائيلية المتزايدة لإبرام معاهدة سلام فورية ومباشرة.

وقف الجميل بوجه تلك المطالب حذراً من أن التسرع قد ينسف مساعيه لبناء الائتلاف الوطني الداخلي.

وبناءً عليه، طلب تدخل واشنطن لدى رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن لتخفيف الضغط وتوفير هامش حركة لبناني وعربي.

هذه الوقائع لا تُلغي الطابع التحالفي الذي حكم تلك العلاقة في أصلها، لكنها تُظهر بوضوح أن الجميل لم يكن تابعاً مطلق الطاعة أو عاجز الإرادة.

لم تتوقف أهمية بشير في الحسابات الأميركية عند إدارة الداخل؛ بل أصبح، في نظر واشنطن، المحور الأساسي لمعادلة إخراج القوى الأجنبية وإعادة بناء الدولة.

وثّق مراسل “واشنطن بوست” لورين جنكنز في تشرين الأول 1982 هذا التطور، مبيّناً أن السياسة الأميركية بنت جزءاً حاسماً من رهانها اللبناني على بشير الجميل باعتباره الخيار الأفضل المتاح آنذاك.

فكان اغتياله ضربة صريحة للدبلوماسية الأميركية التي وجدت نفسها، بحسب تصريح سبكتر المُنقل في مقال غيلين، قد عادت مجدداً إلى نقطة البداية.

تكمن القيمة الحقيقية لهذه المواد الصحفية المعاصرة في أنها لم تقدم حكماً نهائياً، بل راقبت عملية انتقال لم تكتمل.

لم تكن الصحافة الأميركية تجزم بأن الجميل كان سينجح في مهمته الشاقة، بل كانت ترصد محاولته الفعلية لبدء المسار.
يبقى السؤال كبيراً في الذاكرة اللبنانية، لكن التاريخ لا يمنح نتائج التجارب التي لم تقع.

وما يمكن الجزم به استناداً إلى أرشيف تلك اللحظة، هو أن بشير الجميل اغتيل وهو يحاول الانتقال من امتلاك القوة إلى ممارسة الدولة، فبقي مشروعه احتمالاً تاريخياً لم يُمنح فرصة الاختبار.

ربما لهذا السبب تحديداً لا يزال السؤال حياً بعد أربعة عقود ونيف: ليس لأن التاريخ يعرف ما كان سيحدث، بل لأن بشير الجميل لم يُمنح الوقت الكافي ليكمل المسيرة، فبقي مشروعه أمانة بين أيدي المؤمنين بالدولة، وقبساً يضيء طريق لبنان نحو السيادة والكرامة.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top