
بقلم نزار شاكر
التأطير والمنهج
في صباح 12 أيلول/سبتمبر 2026، لم يعد الحديث عن مجرد تلة في جنوب لبنان، بل أضحى الحديث عن فكرة.
فعندما تتحول بقعة تراب، وإن علا ارتفاعها، إلى عنوانٍ لتسويةٍ كاملة، فهذا يعني أننا خرجنا من زمن المعارك الموضعية إلى زمن صياغة القواعد.
لذلك، لا فائدة من البقاء داخل الرواية الإسرائيلية التي تعلن الانتصار، ولا داخل رواية حزب الله التي تقلل من حجم الخسارة، ولا داخل الاصطفاف اللبناني الذي يرى في كل حدثٍ مؤامرةً أو خلاصاً.
إن المطلوب قراءةٌ أبرد وأدق؛ قراءةٌ تُفكك المشهد إلى أربع طبقات: ما هو ثابت ومعروف، وما هو راجح ومستنتج، وكيف يقرأه كل فاعلٍ بحسب مصلحته، وأيُّ مساراتٍ تنتظرنا إذا ما استمررنا في هذا الاتجاه.
من المعطى الجغرافي إلى الأثر الجيولوجي والمادي
«علي الطاهر» ليست كبيرة المساحة، لكنها كاشفة. ترتفع نحو 600 متر عن سطح البحر، وتبعد زهاء 15 كيلومتراً عن الحدود، وتطل مباشرة على المحاور المؤدية إلى النبطية وإقليم التفاح. وهي ليست طارئة على الخرائط العسكرية، فقد كانت ضمن المواقع التي احتلتها إسرائيل قبل عام 2000.
غير أن قيمة التلة لم تكن يوماً في صخورها السطحية، بل فيما كَمُن تحتها؛ في شبكة الأنفاق والمربعات الأمنية التي امتدت لأكثر من كيلومترين، وضمت مراكز قيادة ومخازن سلاح ومسيّرات ومساكن.
في 10 أيلول/سبتمبر، أعلنت إسرائيل تحقيق “سيطرة عملياتية” فوق الأرض وتحتها، ثم فجّرت المنظومة بأكملها. وتُظهر الصور المتاحة تبدلاً واضحاً في تضاريس التلة؛ حيث ظهرت فجوات عميقة، واختفت معالم البنية التحتية. واللافت أن أثر التفجير لم يقف عند حدود التدمير العسكري، إذ سُجّل الانفجار زلزالياً بقوة 4.1 درجات بحسب مراكز الرصد، مما يفتح سؤالاً علمياً حول الآثار الجيومورفولوجية والبيئية المحتملة للتفجير، ولا سيما على استقرار التربة والبنية الصخرية والمياه الجوفية، وهي آثار تحتاج إلى تقييم علمي مستقل قبل الجزم بها.
وهنا يجب التوقف عند نقطة دقيقة: إن التدمير المادي والجيولوجي واقعي وواسع، لكن هذا لا يعني بالضرورة وجوداً عسكرياً إسرائيلياً دائماً فوق القمة. ففي 11 أيلول/سبتمبر، أفادت تقارير بانسحاب القوات إلى خطوط خلفية، مع إبقاء المرتفعات تحت المراقبة والاستهداف عن بُعد.
وهنا تبرز ملامح تكتيك مختلف: لم تعد السيطرة الميدانية تستلزم بالضرورة تمركزاً بشرياً دائماً فوق كل تلة؛ إذ يكفي دمارها، ومراقبتها، ومنع إعادة بنائها. إنها معادلة جديدة عنوانها: لا وجود بشري دائم، بل سيطرة نارية واستخبارية مستمرة.
التقاطع العسكري والسياسي — أزمة «النموذج» و«الاحتلال الرمادي»
من الناحية العسكرية المجردة، تُعد خسارة «علي الطاهر» خسارةً موضعية مهمة؛ كونه موقعاً متقدماً وبنيةً مكلفة وقريباً نسبياً من الحدود. لكن هذه الخسارة لا تعني كسر القدرة العسكرية لحزب الله في الجنوب، إذ إن قدرته غير مرهونة بتلة واحدة، بل بشبكة دفاعية أوسع قد تنقل خطوطها إلى الخلف نحو عرب صاليم، وإقليم التفاح، والجبل الرفيع.
لكن الجانب الأكثر خطورة ليس العسكري، بل السياسي.
ولماذا؟ لأن «علي الطاهر» كانت مطروحة قبل أسابيع كجزء من ترتيب يقضي بأن تنتقل السيطرة عليها إلى الجيش اللبناني مقابل انسحاب إسرائيلي تدريجي، وهو ما رفضه الحزب. والسبب يعود إلى الخوف من تحول هذا الترتيب إلى «سابقة تُعمم».
إن الخطر الذي يستحق المراقبة يكمن في تكريس ما يمكن تسميته بـ«الاحتلال الرمادي»؛ أي أن ينتشر الجيش اللبناني شكلياً فوق الأرض، بينما تحتفظ إسرائيل بالهيمنة الجوية والاستخبارية وحرية القصف الفوري لمنع بناء أي بنية تحتية. فتصبح النتيجة: سيادة لبنانية على الخريطة الرسمية، وسيطرة أمنية نارية إسرائيلية في الواقع، ومطالبة متدرجة بالانتقال من موقع إلى آخر وصولاً إلى تفكيك استراتيجية الدفاع والسلاح برمتها.
من هنا، لم تعد «علي الطاهر» معركة على صخور وتراب، بل أضحت معركة على «القالب الحاكم» وسؤال إدارة الجنوب في المرحلة القادمة.
فالسؤال الحقيقي والعميق الذي يفرض نفسه هنا يتجاوز مجرد ملكية الموقع الجغرافي: من يملك حق تعريف «التهديد» في الجنوب، ومن يملك القرار الأمني النهائي لمنع إعادة إنتاجه؟ هذا العقد هو جوهر المأزق السياسي والعسكري الراهن.
مواقف الفاعلين وتناقض الحسابات الداخلية والإقليمية
كل طرف يرى في التلة مرآة لمصالحه الخاصة:
إسرائيل: ترى في الموقع فرصة لتحويل الإنجاز الميداني إلى ورقة تفاوضية دائمة لفرض المنطقة الأمنية، ورَبْط الانسحاب الكامل بنزع السلاح.
الولايات المتحدة: تقف في الموقف الأكثر تعقيداً؛ فهي تسعى للتوفيق بين تعزيز حضور الجيش اللبناني، وتحقيق انسحاب إسرائيلي، وتجنب الانفجار الشامل. ولهذا أُجّلت جولة مفاوضات روما إلى تشرين الأول/أكتوبر بحثاً عن صيغة “خطوة مقابل خطوة”.
رئاسة الجمهورية وقيادة الجيش: تواجهان مأزقاً حرجاً؛ فالهدف هو استعادة السيادة عبر الجيش، لكن إذا دُمّر الموقع ولم يُسلّم للمؤسسة العسكرية، فمن يحدد مصيره؟ الجواب الواقعي: إسرائيل. وهنا يفقد مشروع الدولة جوهره التفاوضي.
الانقسام الداخلي واتفاق الإطار: يمتد التباين إلى القوى السياسية اللبنانية؛ فحين ترى بعبدا في «اتفاق الإطار» مساراً تفاوضياً لاستعادة الدولة، يُبدي وليد جنبلاط وقوى أخرى تخوفاً حذراً من أن يتحول هذا الاتفاق إلى ترتيبات أمنية تكرس أمراً واقعاً قبل تحقيق الانسحاب الكامل والالتزام بالقرارات الدولية والمرجعيات الوطنية.
عين التينة (نبيه بري): تُدار اللعبة عبر برودة تفاوضية وإدارة للوقت؛ فلا رغبة في الحرب أو الانهيار، ولا قبول بالتسليم المجاني. والموقف يتلخص في: “نعم للتفاوض، ولكن لا تعطِ كل شيء قبل أن تقبض ضمانات ملموسة”.
حزب الله: لا تكمن مشكلته في خسارة الموقع بحد ذاته، بل في قبول «التجربة» التي تفتتح مسار التراجعات، تحت ضغط الخسارة المادية للبنية التحتية، فالاعتقاد بإمكانية ضبط السلوك الإسرائيلي عبر تفاهمات جزئية يصطدم بواقع استراتيجي مفاده أن إسرائيل كيان لا يمكن التنبؤ بمخططاته، ولا يتكئ على مواثيق دولية أو اتفاقات ظرفية ودائمة، وأي رهان على التزامها الذاتي هو رهان على سراب؛ ومن هنا يأتي التمسك بوجود ضمانات هكلية لا مجرد ترتيبات أمنية معلقة.
مسارات الأفق والتحدي الوجودي للجنوب
بناءً على التفاعل بين الميدان والدبلوماسية، تترجح أربعة مسارات مستقبلية (وفق تقدير تحليلي لا إحصائي):
المسار الأول (التدمير ثم الانتشار المشروط): انسحاب إسرائيلي تدريجي مقابل انتشار الجيش اللبناني وتعهد دولي بمنع إعادة بناء المنشآت. وهو المسار الأكثر ترجيحاً لحاجة الأطراف الأساسية إلى مخرج تفاوضي، حال توفر ضمانة متزامنة.
المسار الثاني (تكريس السيطرة الرمادية): انسحاب من الأرض مع بقاء التفوق الجوي والسيطرة النارية الإسرائيلية، وهو خطر قائم وواقعي يفرض منطقة أمنية غير معلنة.
المسار الثالث (توسع السابقة وامتدادها تكتيكياً): تكرار سيناريو «علي الطاهر» في مواقع جنوبية متقدمة لتوسيع نطاق الشريط الآمن قبل نضوج التفاوض، وهو احتمال متوسط الترجيع.
المسار الرابع (الانفجار والتوسع الشامل): انسداد المسار التفاوضي والعودة إلى المواجهة الواسعة، وهو المسار الأقل ترجيحاً حالياً نظرًا لاستمرار قنوات الاتصال قائمة، ولكنه يظل السيناريو الأشَد خطورة.
لكن التحدي الأكبر والأعمق الذي يتجاوز التكتيك العسكري يتجسد في الخطر الوجودي المتمثل في محو النسيج العمراني والسكاني؛ إذ يكمن الخوف الحقيقي في أن يتحول تدمير المواقع وتفريغ البلدات المحيطة بها، بفعل التهجير وطول زمن التفاوض، إلى واقع ديموغرافي وجغرافي جديد يفرض نفسه على المنطقة.
التركيب النهائي: وأين الحل؟
تتأطر الخلاصة التحليلية بعيداً عن السجال في الحقائق التالية:
خسر حزب الله موقعاً تكتيكياً مهماً، وهو معطى مادي لا يمكن التقليل من أثره العملياتي والجيولوجي.
حققت إسرائيل مكسباً عسكرياً، لكنها لم تترجمه بعد إلى تسوية سياسية ناجزة.
تقف السلطة اللبنانية بين فرصة بسط السيادة ومأزق السيطرة الرمادية التي تفرغ دور الدولة من معناه.
المعركة انتقلت كلياً من جغرافية التلة إلى «النموذج الحاكم» لما بعدها ومستقبل ديموغرافيا الجنوب.
فما هو المخرج التفاوضي؟
لأن انتظار التسوية الشاملة أوهام، ولأن الحل الجزئي المنفرد انتحار، فإن المخرج لا يكمن في المراهنة على الحلول الترقيعية، بل في اعتماد «نموذج التزامن المشروط المتوازي»؛ بحيث لا يسبق طرفٌ الآخرين إلى تنفيذ التزامه النهائي، بل تبدأ الخطوات بالتوازي وبصورة قابلة للتحقق:
خطوة إسرائيلية: انسحاب ميداني كامل وعملي قابِل للتحقق، وإتاحة المجال لانتشار الجيش اللبناني.
خطوة لبنانية: انتشار الجيش اللبناني بشكل مدروس وقابل للتحقق، مع وجود آلية دولية واضحة للرقابة بمنع إعادة بناء المنشآت العسكرية أو استغلالها.
خطوة من حزب الله: إخلاء الموقع وعدم إعادة بناء البنية العسكرية فيه وتسليمه للدولة، مقابل ضمانات ألا يكون ذلك مقدمة لمسار تصفية سياسية أو استنزاف سيادي.
لقد انتقلت «علي الطاهر» عملياً من كونها هدفاً عسكرياً صرفاً إلى ورقة يُرجح أن تحضر بقوة على طاولة التفاوض. ومن يدرك هذا التحول، يعلم أن رسم مستقبل الجنوب لن يتم عبر التضاريس والصخور، بل عبر النصوص التي ستُكتب في الاتفاق القادم.
