
بقلم د. نواف كبارة
عندما نتحدث عن الذكاء الاصطناعي في الشرق الأوسط، يتركز النقاش عادة على التكنولوجيا: الوظائف التي ستختفي، المهن الجديدة، الاستثمار، التعليم، الأمن، والصراع بين الدول على امتلاك التقنيات الحديثة. لكنني أعتقد أن التحول الأكثر عمقاً سيكون في مكان آخر: في الثقافة نفسها، وفي مفهوم المعرفة ومصدرها ومن يمتلك سلطة إنتاجها.
فالذكاء الاصطناعي ليس مجرد اختراع جديد يضاف إلى سلسلة الاختراعات التي عرفها الإنسان. إنه بداية انتقال محتمل من عصر كان الإنسان فيه المنتج الوحيد للمعرفة والتفسير إلى عصر يشاركه فيه فاعل معرفي اصطناعي قادر على جمع كميات هائلة من المعلومات وتحليلها ومقارنتها وإعادة تركيبها في زمن لا يستطيع العقل البشري مجاراته فيه.
وهنا تبدأ مشكلة الشرق الأوسط.
مجتمع يعيش بين زمنين
لا يعيش الشرق الأوسط خارج التكنولوجيا. ملايين الناس يستخدمون الهواتف الذكية والمنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي، ودول المنطقة تستثمر مليارات الدولارات في التكنولوجيا والبنية الرقمية. لكن استخدام أدوات المستقبل لا يعني بالضرورة امتلاك ثقافة المستقبل.
ففي أجزاء واسعة من مجتمعاتنا، ما زال الماضي يشكل مرجعية أساسية لفهم الحاضر. وما زالت أسئلة سياسية واجتماعية وأخلاقية معاصرة تعاد باستمرار إلى نصوص ونقاشات ومواقف نشأت في بيئات تاريخية مختلفة جذرياً عن البيئة التي نعيش فيها اليوم.
وهذا لا يعني أن التراث بلا قيمة. على العكس، فالتراث هو ذاكرة المجتمع، ولا يمكن لأي حضارة أن تبني مستقبلها من دون أن تعرف ماضيها. لكن هناك فرقاً كبيراً بين أن نمتلك التراث وأن يمتلكنا التراث.
المشكلة تبدأ عندما يتحول الماضي من مصدر لفهم هويتنا إلى سلطة تضع حدوداً لما يمكن أن نفكر فيه.
من يمتلك المعرفة؟
كان امتلاك المعرفة عبر التاريخ أحد أهم مصادر السلطة.
ولقرون طويلة احتلت المؤسسات الدينية والعلماء والفقهاء موقعاً مركزياً في إنتاج المعرفة وتفسير العالم داخل المجتمعات الإسلامية والمسيحية في المنطقة. ولم تكن المسألة دينية فقط، بل اجتماعية وسياسية أيضاً، لأن من يمتلك حق تفسير النص يمتلك جزءاً من القدرة على تحديد المقبول والمرفوض، الحلال والحرام، الشرعي وغير الشرعي.
ثم جاءت الدولة الحديثة والجامعة والمدرسة والصحافة، وبعدها الإنترنت، فبدأ هذا الاحتكار يتراجع.
أما الذكاء الاصطناعي فقد يدفع هذا التحول إلى مستوى مختلف تماماً.
فالشاب الذي كان يحتاج سابقاً إلى العودة إلى مرجع واحد يستطيع اليوم، خلال دقائق، الوصول إلى مدارس فكرية متعددة ومقارنة نصوص وتفسيرات ومصادر تاريخية وفلسفية وعلمية متعارضة.
والأهم أنه يستطيع أن يسأل.
ثم يعيد السؤال.
ثم يعترض على الإجابة.
ثم يطلب الدليل.
وهنا تتغير العلاقة التقليدية بين المعرفة والسلطة.
عندما يصبح التراث نفسه موضوعاً للتحليل
للمرة الأولى أصبح ممكناً تقنياً إخضاع مجموعات ضخمة من النصوص التراثية للتحليل والمقارنة بصورة لم تكن متاحة حتى لأكبر العلماء في الأزمنة السابقة.
يمكن مقارنة الروايات، ودراسة تطور المفاهيم، وتحليل اللغة، وتتبع انتقال الأفكار بين العصور، وربط النصوص بالسياقات السياسية والاجتماعية التي ظهرت فيها.
وهذا لا يثبت صحة دين أو بطلانه، ولا ينبغي أصلاً أن تكون تلك وظيفة الذكاء الاصطناعي.
لكنه يغير طريقة التعامل مع التراث.
فبدلاً من أن يكون التراث مجموعة من الأجوبة الجاهزة، يمكن أن يصبح أيضاً موضوعاً للبحث التاريخي والنقد والمقارنة.
وهذا التحول قد يكون صعباً على المؤسسات التي بنت جزءاً من سلطتها على احتكار تفسير النص.
ولكن هل الذكاء الاصطناعي هو الحقيقة؟
هنا يجب الحذر من الوقوع في الخرافة المعاكسة.
إذا كان من الخطأ اعتبار كل ما وصل إلينا من الماضي حقيقة مطلقة، فمن العبث أيضاً اعتبار كل ما تنتجه الخوارزمية حقيقة علمية.
الذكاء الاصطناعي يتعلم من إنتاج البشر، ولذلك يحمل أخطاءهم وتحيزاتهم وتناقضاتهم. ويمكنه أن يقدم معلومات خاطئة بثقة مثيرة للإعجاب، وهي خصلة بشرية نجحت الآلة، للأسف، في تعلمها بسرعة.
لذلك لا ينبغي استبدال سلطة رجل الدين بسلطة الخوارزمية.
المطلوب هو شيء مختلف تماماً: مجتمع نقدي يستطيع مساءلة الاثنين.
الدين أمام سؤال جديد
التحدي الحقيقي أمام المؤسسات الدينية لن يكون منع الذكاء الاصطناعي. فهذا سيكون أشبه بمحاولة منع المطبعة أو الإنترنت بعد انتشارهما.
السؤال هو: كيف ستتعامل الأديان مع عالم تتغير فيه المعرفة بهذه السرعة؟
كيف سنتعامل مع الهندسة الجينية وإطالة العمر والروبوتات والوعي الاصطناعي والعلاقة بين الإنسان والآلة؟
ماذا سيحدث إذا استطاعت التكنولوجيا أن تؤخر الشيخوخة جذرياً؟
ماذا يعني العمل عندما تستطيع الآلة القيام بجزء كبير منه؟
وما معنى المسؤولية الأخلاقية عندما تتخذ الأنظمة الذكية قرارات كانت حكراً على الإنسان؟
هذه الأسئلة لا توجد لها أجوبة جاهزة في كتب كُتبت قبل ألف عام، ليس لأن تلك الكتب عديمة القيمة، بل لأن أصحابها لم يعيشوا هذه الوقائع أصلاً.
وهنا يحتاج الفكر الديني إلى الانتقال من محاولة استخراج المستقبل من الماضي إلى استخدام قيمه الأخلاقية للمساهمة في بناء المستقبل.
من المؤسسة الدينية إلى الجامعة
وهذا يقودنا إلى التحول الذي أعتقد أن العالم العربي يحتاج إليه بصورة عاجلة.
يجب أن ينتقل مركز إنتاج المعرفة العامة تدريجياً إلى الجامعات ومراكز الأبحاث والمختبرات والمؤسسات العلمية.
هذا لا يعني إلغاء الأزهر أو النجف أو المؤسسات الدينية المسيحية وغيرها، ولا يعني إبعاد الدين عن المجتمع. لهذه المؤسسات دور ديني وأخلاقي وثقافي مهم.
لكن السؤال الطبي يجب أن تكون مرجعيته الأساسية الطب، والسؤال الاقتصادي الاقتصاد، والسؤال المتعلق بالذكاء الاصطناعي علماء التكنولوجيا والفلسفة والأخلاق، والسؤال البيئي علوم البيئة.
ويمكن للمؤسسات الدينية أن تشارك في النقاش الأخلاقي، لكنها لا تستطيع أن تفرض رأيها بالقوة ولا ان تحل محل المعرفة العلمية المتخصصة. وكما الانترنيت فان الذكاء الاصطناعي سيكون متاحا للجميع وسيتساوي كافة البشر في استخدامه وانتاج المعرفة عن طريقه، وبهذا ستسقط الفوارق الاجتماعية بين البشر، بين الرجل والمرأة، بين الابيض والاسود، بين شخص ذوي إعاقة وباقي الناس لان التقسيمات البشرية الجديدة ستكون بين من يقدر على إنتاج المعرفة الخوارزمية وبين من يكتفي باستخدامها كمثل بين من ينتج الطاقة ومن يستهلكها. وعندما ينجح الذكاء الاصطناعي في تطوير نفسه بنفسه سيتفوق على البشر وستكون البشرية جمعاء في مواجهة خطر العبودية والزوال وسبزول معها التراث، والتاريخ، والقيم الاخلاقية، والدين.
المعركة الحقيقية هي التعليم
لكي يبقى الشرق الاوسط فاعلا وذو اهمية فإن أكبر استثمار ينبغي أن تقوم به دول الشرق الأوسط ليس شراء أحدث تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بل إعادة بناء الإنسان القادر على استخدامها ونقدها وإنتاجها.
نحتاج إلى جامعة مختلفة، ومدرسة مختلفة، ومناهج تعلم الطالب كيف يسأل لا كيف يحفظ فقط.
فالطالب الذي يحفظ الإجابة في عالم الذكاء الاصطناعي سيفقد ميزته سريعاً. الآلة تحفظ أكثر منه.
أما الإنسان الذي يستطيع صياغة السؤال، والشك في الإجابة، وربط العلوم المختلفة، وإنتاج فكرة جديدة، فستزداد قيمته.
ومن هنا فإن الصراع الحقيقي ليس بين الإنسان والآلة، ولا بين الدين والذكاء الاصطناعي.
إنه بين مجتمع يسمح بالسؤال ومجتمع يخاف منه.
الشرق الأوسط أمام الاختيار
لقد تأخر العالم العربي عن الثورة الصناعية، ثم دخل الثورة الرقمية في معظمه كمستهلك أكثر منه منتجاً. والخطر اليوم أن يتكرر الأمر مع الذكاء الاصطناعي، ولكن هذه المرة ستكون النتائج أشد خطورة.
لأن من يتأخر في الثورة الصناعية يخسر مصنعاً وسوقاً.
ومن يتأخر في الثورة الرقمية يخسر اقتصاداً.
أما من يتأخر في ثورة الذكاء الاصطناعي فقد يخسر قدرته على إنتاج المعرفة نفسها.
لهذا فإن السؤال الذي سيواجه الشرق الأوسط خلال العقود المقبلة لن يكون فقط: كم مركز بيانات بنينا؟ وكم شركة ذكاء اصطناعي أنشأنا؟ وكم استثمرنا في التكنولوجيا؟
السؤال الأهم هو:
هل نحن مستعدون ثقافياً لأن نسمح للمعرفة الجديدة بأن تغير الطريقة التي نفهم بها أنفسنا والعالم؟
فالذكاء الاصطناعي لن يدخل الشرق الأوسط من بوابة التكنولوجيا وحدها. سيدخل الجامعة والمدرسة ومكان العمل والبيت، وسيصل حتماً إلى التاريخ والتراث والدين.
وعندها لن تكون المواجهة الحقيقية بين الذكاء الاصطناعي والدين، بل بين طريقتين في النظر إلى المعرفة: واحدة تعتبر أن الإجابات الكبرى قد قيلت، وأن مهمة الحاضر هي العودة إليها؛ وأخرى ترى أن المعرفة مشروع إنساني مفتوح، وأن كل إجابة جديدة تخلق سؤالاً جديداً.
مستقبل الشرق الأوسط قد يتوقف، إلى حد بعيد، على أي من هاتين الثقافتين ستكون قادرة على تشكيل عقل أجياله القادمة.
