إتلاف الكتب لتدريب الآلة: المعركة القادمة على الملكية والذاكرة

بقلم الياس عيسى الياس

تخيّل آلة هيدروليكية تنزل بهدوء على كعب كتاب، فتفصله عن غلافه في ثانية. تُسحب الصفحات إلى ماسحة ضوئية، وتُرمى البقايا في حاوية إعادة التدوير.

لا نار في هذا المشهد، ولا رقيب يحارب فكرة، ولا غزاة على ضفة نهر. ومع ذلك يستحق أن نتوقف عنده، لأنه يجري اليوم على نطاق صناعي.

هذا المشهد ليس خيالاً من روايات المستقبل المظلم، بل واقع كشفت عنه وثائق قضائية رُفعت عنها السرية، وتناولتها وسائل إعلام عالمية مثل صحيفة «واشنطن بوست» وموقع «يورونيوز» ومجلة «كونتر بنش».

فقد أطلقت شركة «أنثروبيك» (Anthropic)، مطوِّرة نموذج الذكاء الاصطناعي «كلود» (Claude)، ما عُرف بـ«مشروع بنما».

اشترت الشركة ملايين الكتب المستعملة من موردين عالميين، وقصّت كعوبها بآلات هيدروليكية، ومسحت صفحاتها ضوئياً بمعدات صناعية لتغذية نماذجها بنصوص معرفية وأدبية عالية الجودة.

وسعت الشركة، بحسب ما ورد على لسان أحد الموردين، إلى مسح ما بين نصف مليون ومليوني كتاب في ستة أشهر، ثم أرسلت الأوراق المادية إلى حاويات إعادة التدوير.

لم يكن الهدف بناء أرشيف رقمي يستفيد منه الجمهور؛ فالكتاب هنا لا يُقرأ للعموم، بل يُستخرج منه ما يلزم من بيانات، وما بقي يُرمى.

أعترف بأن الخبر لمس عندي وتراً حساساً. نشأتُ على رائحة الورق.

في مطلع فتوّتي كنتُ أقتطع الجزء الأكبر من مصروفي الشحيح، وأفاضل بين ثمن وجبة وثمن كتاب قديم من رصيف أو مكتبة مستعملة.

كان الإمساك بالجلد الصلب، وتقليب الصفحات الصفراء، والشعور بأنني امتلكتُ عالماً بين دفّتين، أقرب إلى طقس.

وللمفارقة، فتلك الكتب المستعملة التي عاشت حياة ثانية بين قارئ وقارئ هي بالضبط السوق الذي اشترت منه الشركة بكميات هائلة.

الكتاب الذي كان يُتداول من يدٍ إلى يد صار مادة خاماً للبيانات.

قانونياً، الصورة مختلفة عن الغضب. ففي قضية «بارتز ضد أنثروبيك»، اعتبر القاضي وليام ألسوب أن تحويل كتاب اشترته الشركة فعلاً إلى ملف رقمي لا يخالف القانون؛ فالمسح لا يضيف نسخة جديدة إلى السوق طالما أن الأصل المادي يُتلف ولا يُعاد بيعه، لأن الاحتفاظ بالنسختين معاً كان سيُعدّ تكديساً غير مرخص للكتب.

في المقابل، حظر الحكم استخدام النسخ المقرصنة. وانتهى النزاع بتسوية بقيمة 1.5 مليار دولار صادقت عليها القاضية أراسيلي مارتينيز-أولغين لتعويض المؤلفين عن النسخ المقرصنة، مع التزام الشركة بإتلافها.

إن ما يُغضب القارئ في مشهد قص الكعب هو بعينه ما يُريح المنطق القانوني؛ فالقانون يجيب عن سؤال مشروعية السلعة والتملك، لا عن سؤال الحكمة الثقافية وحفظ الأثر.

قد يُقال: هذه طبعات تجارية متوافرة في كل مكتبة، ولم يُتلَف مخطوط فريد ولا فكرة محظورة. وهذا صحيح، ولا أزعم غيره.

الخسارة هنا لا تُقاس بعدد العناوين؛ فالكتاب الورقي ليس نصاً مجرداً فقط، بل هو طبعته وغلافه وورقه.

وهو أيضاً أثر قارئ: إهداء بخط اليد على نسخة صدرت قبل عقود، أو حاشية بقلم رصاص تركها قارئ مجهول في هامش صفحة.

قد يلتقط الماسح صورة هذه الطبقة، لكن ما يُغذّى به النموذج في الغالب هو الكلمات المطبوعة وحدها.

وحين تتكرر العملية بالملايين، يصبح اختزال الكتاب إلى نص مجرد عادةً تُمارَس بلا تفكير، وهذه هي الخسارة الحقيقية.

لكن الخسارة الأكبر تتجاوز الورق. فالرقمنة ليست العدو، بل هي تيسّر المعرفة وتحميها.

السؤال هو من يملك النسخة الرقمية ومن يراقبها.

قبل سنوات قليلة خسر «أرشيف الإنترنت»، وهو مؤسسة أهليّة غير ربحية، قضيته أمام الناشرين بعدما مسح كتباً وأعارها مجاناً للقرّاء عبر الشاشات.

واليوم تمسح شركة تجارية ملايين الكتب لتدريب منتَج حصري، وتخرج من القضاء بحكم يقرّ بمشروعية تحويل ما اشترته.

الفارق هنا يستحق التأمل: حين تنغلق المجموعات الرقمية داخل أنظمة خاصة لخوادم الشركات، تصبح ذاكرة المجتمع محفوظة في مكان لا يملك المجتمع أن يراجعه ولا أن يسائل القائمين عليه.

وإذا كانت هذه المخاوف تدور حول أرشيفات ضخمة توثقها المؤسسات الغربية، فإن خطورة الأمر تتضاعف بالنسبة لنا؛ فأرشيف الكتاب العربي أصلًا هش ولم يُوثّق رقمياً بالقدر نفسه، ما يجعل أي فقدان فيه غير قابل للترميم.

فنحن في لبنان والمنطقة العربية لا نحتاج إلى الذهاب بعيداً لنفهم معنى فقدان الكتاب.

مكتبة «السائح» التي أُحرقت في طرابلس عام 2014 ما زالت جرحاً ثقافياً؛ هنا لا نار في المشهد الأميركي، لكن طرابلس عرفت النار، وهناك أشعل الكتبَ من أرادوا إتلافها بالكامل.

أما في مشاريع الرقمنة التي تُتلف الأصل لتحفظ النص، فالمفارقة أشدّ التباساً: يُقصّ الكتاب باسم حفظ محتواه.

ولعل السؤال الذي يعنينا، نحن الذين دفعنا ثمناً باهظاً من أرشيفاتنا ومكتباتنا، ليس فقط هل ستدخل كتبنا العربية يوماً في مشاريع كهذه، بل أين ستُخزَّن نسخنا الرقمية ومن يضمن بقاءها وإتاحتها؟

قد تحفظ الآلة الكلمات المطبوعة، لكنها لا تحفظ اليد التي قلّبت الصفحات ولا الهامش الذي تركه قارئ مجهول.

والمعركة القادمة ليست على من يملك النص وحده، بل على من يقرّر ما يبقى من الكتاب وما يُرمى.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top