
بقلم ملاك الصميلي
ندرس في كليات الإعلام أن المهنة رسالة، وأن دور العاملين فيها نقل هموم الناس، وطرح قضاياهم، ومساءلة أصحاب القرار، وتقديم نقاش سياسي وفكري يحترم عقل الجمهور.
لكنّ ما ندرسه شيء، وما نشاهده اليوم شيء آخر. فالمشكلة لم تعد محصورة في تراجع مستوى بعض البرامج أو ضعف المحتوى، بل باتت تطال مفهوم المهنة نفسه، بعدما تحوّلت عند البعض من مساحة لصناعة الرأي إلى وسيلة للشهرة وجمع المال وبناء العلاقات العامة.
لم يعد النجاح يُقاس دائمًا بما يُقدَّم من مقابلات وتقارير وتحقيقات، بل بعدد المتابعين، والأماكن التي يزورها الشخص، والأسماء التي يجالسها، وما يرتديه، وتفاصيل يومياته. وكأنّ صورته وحياته الخاصة أصبحتا أهمّ من قيمة ما يقدّمه للناس.
المشكلة ليست في مواقع التواصل بحدّ ذاتها، إذ يمكن استخدامها لنشر الأعمال الصحافية والأفكار والوصول إلى جمهور أوسع. لكنّها تحوّلت في كثير من الأحيان إلى ساحة استعراض ومنافسة: مَن يظهر أكثر؟ مَن يسافر أكثر؟ مَن يرتدي العلامات التجارية الأغلى؟ ومَن يملك علاقات أقوى مع السياسيين ورجال الأعمال؟
وهكذا، أصبح بعض العاملين في المهنة يتعاملون مع أنفسهم كأنّهم المنتج الذي يجب تسويقه، فيما تراجعت القضايا التي يُفترض أن تكون محور عملهم.
ولا يمكن فصل التراشق الذي نشهده بين الحين والآخر عن هذا الواقع. فالاختلاف في الرأي طبيعي، والخلاف السياسي مفهوم، لكنّهما لا يبرّران تحوّل النقاش إلى إهانات واتهامات وكلام مبتذل.
كان يُفترض بأصحاب الخبرة أن يقدّموا نموذجًا في إدارة الاختلاف، وأن يثبتوا أن الآراء المتناقضة لا تلغي الاحترام بين الزملاء. لكننا أصبحنا أمام خلافات تُدار على مواقع التواصل ويتابعها الناس كأنّها معارك شخصية، بينما تضيع القضية الأساسية وسط الشتائم والردود.
وهذا تحديدًا ما يصدم الطلاب والخريجين الجدد. فنحن نتعلّم في الجامعات أخلاقيات العمل، والدقة، والموضوعية، واحترام الآخر، ثم ندخل سوق العمل لنجد أن هذه المعايير لا تصنع النجاح دائمًا.
قد يتعب صحافي على إعداد تقرير أو تحقيق، فلا يحظى بالاهتمام الذي يناله سجال عابر. وقد تختصر العلاقات الطريق أكثر من الكفاءة، فيما تمنح الضجّة صاحبها شهرة أسرع من سنوات طويلة من العمل.
لا نقول ان الشهرة أو استخدام المنصات الحديثة أمران مرفوضان. فمن حق أي شخص أن ينجح ويحقّق مردودًا ماديًا، لكن ليس على حساب مصداقيته ودوره. فالمشكلة تبدأ عندما يصبح الحضور هو الغاية، وتتحوّل المهنة إلى مجرّد وسيلة للوصول.
الصحافي الحقيقي لا يُقاس بما يملك، ولا بعدد الصور التي ينشرها، ولا بحجم دائرة علاقاته، بل بما يضيفه إلى وعي الناس، وبالأسئلة التي يطرحها، وبقدرته على قول الحقيقة واحترام الجمهور.
فحين يفقد الإعلام قيمته، قد تبقى الشهرة… لكنّ الرسالة تسقط.
