
بقلم: جوزاف وهبه
ليس الوداع الأوّل، وبالتأكيد لن يكون الوداع الأخير.هكذا حال المدن الكبرى حين تشيخ وتفقد وظيفتها، تفقد أعمدتها وألقها، فتتحوّل إلى حلقات متتالية من الركام، بدءً من دور السينما والمسرح وصالات الكولورادو والريفولي والبالاس، إلى صروح الفرير والعازاريّة وطليان البنات، وصولاً إلى ثانويّة الملعب/حسن الحجّة الذي كنّا نصطفّ في في ملعبه الفسيح، كما الجنود الأوفياء في حضرة القائد الصارم العادل، مدقّقاً في طول شعرنا وسوالفنا وسلوكنا!
كنّا في صفّ الفلسفة في “عقد الستّينيّات الفريد..” الذي تحدّث عنه السفير الدكتور خالد زيادة في كتابه الأخير، ولا زلت أذكر بعض الزملاء المميّزين، سعادة الصديق طه ناجي وباسم ذوق ومصطفى حلوة ومحمود زيادة ونور الأيّوبي…كانت الثانويّة تعجّ بالطلّاب والأساتذة الكبار والعلم والنور والنظام.وكان المدير حسن الحجّة والنظّار عصام كبّارة وجورج عاصي وغيرهما يديرون الدفّة، وسط أمواج الحراك اليساري والثوري، بكلّ ثقة وحماس وانضباط وأمان.كانت تجمعنا الكلمة، وكان يملأ قلوبنا الفتيّة شغف التعلّم والترقّي والنجاح!
..واليوم، بعد حوالي نصف قرن من الزمن، ينهار كلّ شيء، كأنّ المكان قد بُني فوق رمال.كأنّ ثانويّة الملعب لم تكن صرحاً يُحتذى.كأنّ المدينة لم تعرف عصر التنوير وسوق الذهب (سوق القمح).كأنّ “طبشورة” الأساتذة مصطفى البقاعي وعبد الرزاق الصوفي وأحمد كلينك وفخر القرحاني وسعيد الولي قد محاها الجهل والمطر ومرور السنين…فما الذي جرى، يا تُرى، حتّى انكفأنا وصدأت عقولنا، وأُقفلت أبواب ثانويّتنا المشرّعة!؟
من السهل، والسهل جدّاً رمي ملامة الإقفال على كاهل وزيرة التربية غير الشعبيّة ريما كرامي، في مظلوميّة “سياسيّة – انتخابيّة” من النوع الرخيص، كما يفعل نوّاب التيّار الوطني الحر، وسط تساؤل استثماري – تربوي بسيط:هل تقوم ثانويّة (أو مدرسة) على معادلة أربعين طالباً مقابل أربعين معلّماً، مثلاً؟
وإذا كانت المناطق المسيحيّة غالباً ما تميل إلى مؤسّسات التعليم الخاصّة، فما الذي أصاب ثانويّة الملعب:أين الطلّاب والناس، وهل بات رعيل المعلّمين الجدد بلا كفاءة حتّى ينفضّ طالبو العلم عن المعهد القائم في وسط المدينة، فيما أقرب ثانويّة إليها تقع ما بين أبي سمراء والميناء والقبّة؟ كيف فقدت هذه الثانويّة بريقها، أم هي المدينة تضمحلّ وتغرق في سبات طويل، ما يجعل مناراتها تخبو الواحدة تلوَ الأخرى!؟
موت “ثانويّة الحجّة” لا يبشّر بالخير.جرس إنذار أحمر وسط ضجيج الوعود الورديّة المتدفّقة من المرافق الأخرى.الورد والموت لا يلتقيان فوق سطح مدينة واحدة.ما يحدث في طرابلس يدعو للقلق، ولا تنفع معه دعوات صادقة للتجمّع هنا أو هناك، كما لا ينفع الصراخ المتكرّر حول التهميش والفقر المدقع والمؤامرة.ثمّة شرخ مخيف.ثمّة حزن رجراج عميق.ثمّة قوس أسود يشدّ الخناق، بلا هوادة ولا بصيص!
هي ليست قصّة مدرسة أقفلت.هي بمثابة جنازة ثانية لرجل يستحقّ التقدير لا الرثاء الباهت.هي أيضاً قصّة “حيّز..دافئ وممتلئ” ينتظر جنازته الثالثة، حيث يتزاحم “أشباه رجال من باطون” على تحويل الذاكرة الجميلة إلى كتلة اسمنتيّة بشعة وجشعة، ليس إلّا!
