بين أكواد الطوارئ وفنجان الرفض

بقلم الياس عيسى الياس

في الثلاثين من أيلول، انتقل الرمز الذي يبثه جهاز الإرسال الآلي في قمرة قيادة رحلة “فلاي دبي” المتجهة إلى تل أبيب من الطوارئ العامة (7700) إلى التدخل غير المشروع (7500)، بحسب بيانات الملاحة الجوية وروايات المسؤولين. ففي نحو دقيقة، هوت الطائرة آلاف الأقدام نحو الأرض إثر تعرض قبطانها لطعن خطير على يد مساعده، وفق الروايات المعلنة.

وفي تلك الأوقات الفاصلة، بعيداً عن السياسة وموازين القوى، كان هناك قبطان ينزف ويقاوم، وطياران زميلان خارج الخدمة اقتحما القمرة بمساعدة الطاقم والركاب للسيطرة على المشتبه به. وهما اللذان توليا، وفق المعطيات المعلنة، احتواء الكارثة والهبوط بالطائرة اضطرارياً في مطار تبوك.
تلك شجاعة مجردة، ينبغي أن تجعل أي عابر يتوقف أمامها، ويتأثر لفزع أولئك الركاب، ويشعر بالامتنان لنجاة بشر لم يكونوا يملكون من أمرهم شيئاً.

لكن امتحاناً ثانياً، أخلاقياً هذه المرة، بدأ على الأرض فور أن استقبلت السلطات السعودية الطائرة ونقلت قبطانها المصاب إلى المستشفى. فبدل أن نتوقف جميعاً أمام فداحة ما حدث ونجاة نحو مئة وسبعين راكباً، وبدل أن نملك الشجاعة لتسمية الأشياء بأسمائها، رأينا أصواتاً على الشاشات والمنصات تتبارى في إغماض أعينها عن الواقع.

توزع هؤلاء بين معلقين يروجون لنظريات المؤامرة ملمّحين إلى أن الحادثة برمتها مفتعلة لتبرير ترتيبات إقليمية، وأطراف استغلت خوف الناس لتحويل الحادثة إلى ساحة للتجييش وتبادل التهديدات السياسية قبل اكتمال التحقيقات الرسمية في ملابساتها.

أي جفاف في الحس يجعل المرء يهرب من واقعة ثابتة ببيانات الرحلة وشهادات الأحياء واتصالات الطوارئ؟ حين يُنكر الحدث لمجرد أنه لا يوافق رواية معينة، لا يضر الواقعة بقدر ما تتضرر القدرة على رؤية الحقيقة؛ فيغدو المرء عاجزاً عن التعاطف، وعاجزاً عن النقد الذاتي، وعاجزاً عن حفظ إنسانيته. وبين زيف المنكرين وانتهازية المستغلين، كادت الحقيقة البسيطة أن تضيع: هناك خطر وقع، وهناك أسر الركاب كادت تفقد أحبتها، وهناك أفراد واجهوا الموت بشجاعة وحس بالمسؤولية.

ولعل هذا النزوع إلى إنكار البديهيات وتأويل الوقائع الثابتة ليس غريباً عن شاشاتنا العربية واللبنانية، التي طالما شهدت محاولات للتهرب من الحقائق، كما حدث عقب انفجار مرفأ بيروت حين ضاعت الوقائع الصلبة وسط السجالات السياسية والروايات المتضاربة.

وفي مقابل هذا الضجيج التلفزيوني، استوقفتني استجابة رمزية بسيطة: نشر الإسرائيلي آفي كانر منشوراً يتغنى فيه بالقهوة السعودية عقب الهبوط الاضطراري، في ما بدا محاولة لإسباغ طابع من الدفء السياسي على نجدة طارئة. فجاءه الجواب من حساب باسم “فهد” بصورة يتيمة لفنجان قهوة ممتلئ حتى حافته دون أي كلمة؛ وهو رد قُرئ باعتباره دلالة على الرفض وعدم الترحيب بالضيف.

أمّن الموقف الرسمي الهبوط وعالج المصاب، التزاماً بواجب الإغاثة الذي لا مساومة عليه. أما الفنجان فقال بصمت إن النجدة الإنسانية ليست ترحيباً سياسياً، وإن الرفض المبدئي لا يحتاج إلى تزوير الوقائع ولا إلى إنكارها.

في المحصلة، يظل الفنجان الصامت شاهداً على أن الصلابة الأخلاقية لا تتطلب إنكار معاناة الناس أو التغاضي عن فزعهم، وأن إغاثة الملهوف لا تعني فتح الأبواب لترحيب مجاني؛ فبين أكواد الطوارئ وفنجان الرفض تتجلى إنسانية بلا إنكار، وموقف بلا تزوير.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top