ثانوية حسن الحاجة بين الرومانسية والواقعية

بقلم د.طلال خواجه

المسافة بين مدرسة النموذج التكميلية في شارع المدارس في الحاضرة الشمالية طرابلس و بين ثانوية د.حسن الحاجة في شارع المئتين و التي انتقلت إليها بعد حصولي على الشهادة المتوسطة لا تتعدى بضعة مئات من الأمتار.
الأولى كان يرأسها المدير الأكثر صرامة أنور مقدم، و الذي أدار صومعته كجنرال مهيب، يعاونه كوكبة من المعلمين بملامح أقل قساوة، و لكن بقدر عال من الجدية في الصفوف. ولطالما تباهى استاذ انور بأن طلابه كانوا الأوائل في الكثير من المسابقات التي كانت تجري أحيانا بين مدارس المدينة بما فيها المدارس الإرسالية الأكثر شهرة.
الثانية أداراها د.حسن بطريقة أكثر مرونة وإن لم تكن أقل صرامة، إذ كان يدرك حساسية التعامل مع مراهقين وافدين من مناطق مختلفة، جذبتهم إلى الثانوية سمعة طبلت لها الآذان ومدينة عامرة بالحياة، علما أن سمعتها عززها الكثير من الأساتذة والنظار الذين عملوا مع المدير بنفس الحماسة و بمهنية عالية.
مدرسة النموذج و ثانوية حسن الحاجة كشكلتا ثمرتين من ثمرات التعليم الرسمي الناهض بقوة في الستينيات، خصوصا في طرابلس المتطلعة لاستعادة جزء من الدور الذي التهمته بيروت العاصمة بيروت بصعودها السريع كعاصمة للبنان الكبير.
لا أريد وصف المرحلة التي قضيتها في الثانوية و حصلت خلالها على شهادة رياضيات حملتني إلى كلية الحسن الآخر ، د.حسن مشرفية الذي جعل من كلية العلوم في الجامعة اللبنانية صومعة علمية، أصبحت لاحقا أحد أساتذة الرياضيات فيها. إلا أنه لا بد من الإشارة إلى أن هذه المرحلة شهدت أحداثا و تحولات كبرى، فقد التحقت بالثانوية مباشرة بعد هزيمة عبد الناصر سنة ١٩٦٧ و صعود نجم العمل الفدائي، و من ثم انتفاضة التغيير سنة ١٩٦٨ في فرنسا و ما تلاها من انتفاضات و ثورات في العالم، و بينها الانتفاضة الطلابية في لبنان سنة ١٩٦٩، في أعقاب تدمير الطيران الإسرائيلي لأسطول MEA، والتي شكلت ثانويتنا أحد منصاتها الرئيسية. وسيكون لكل هذه التحولات و غيرها تداعيات لاحقة و متدرجة في كل المرافق و القطاعات والبنى اللبنانية المختلفة، خصوصا في التعليم الرسمي الأكثر تحسسا للأحداث الأمنية و التغيرات السياسية.
يقود أحد زملائي في كلية العلوم الصديق عامر حلواني حملة توقيع على عريضة لإنقاذ الثانوية، محملا بعض السياسيين مسؤولية تدهورها المفجع، و حين رآني أميل إلى موقف الوزيرة ريما كرامي في دمجها مع ثانوية سابا زريق، نشر على الفايسبوك نصا يذكرني فيه برثائي لأحد مدراء الثانوية عصام كبارة الذي كان يتفاخر بأنها خرجت النخب الأكثر تنوعا في النسيج الإجتماعي الشمالي و الأكثر تمددا في خريطة المهن، من السياسة والإدارة إلى الطب و الهندسة والفنون و إدارة الأعمال، فضلا عن أساتذة الجامعات.
ربما لم ينتبه الزميل أن قي خلفية رثائي كمن حزن عميق على ثانوية انزلقت قبل غيرها نحو درك يصعب تجاوزه. و للأسف فإن القلة من طلابها المتبقين حصلوا على إفادات ستزيد من تدهور التعليم، نظرا للحملة الشعبوية التي قادها كثر بينهم “تغييرين” لإعطاء كل طالب تيرمينال إفادة، عله يستعملها كبطاقة تصويت في انتخابات قادمة.
لثانوية حسن الحاجة رمزيتان واحدة في الصعود و أخرى في الهبوط، ربما تختصرها مقارنة حول واقع الطريق و المنطقة التي تفصل بين مدرسة النموذج و الثانوية.
و هي بالمناسبة مقارنة قمت بها منذ بضعة أسابيع ولمواضيع أخرى في مقال بعنوان “في استعادة الجاذبية الطرابلسية” هدف إلى اظهار حجم التراجع الحضاري في الفيحاء.
لا أستطيع إلا أن أنحني أمام تمدد الحملة “لإنقاذ” الثانوية التي كانت نموذجا في البناء و الموقع والإدارة و الأساتذة والدور، و التي أعرف كيف تحولت إلى و سيلة تصريف للفشل الطلابي و ربما التعليمي. و أسمع بالتواتر عن دور المالك الجشع بتغذية الفشل لاستثمار الموقع المهم بمشروع تجاري. إلا أن الواقعية تؤشر إلى أنه فات أوان الإنقاذ. و الافضل أن نراكم الجهود لوقف التدهور المتسارع في العملية التربوية في كافة المراحل دون استثناء، خصوصا في المراحل الأساسية و في المناطق الأكثر تهميشا. و هذا يتطلب مقاربة مختلفة للقضية التربوية لا تقوم على العمل لتحسين الرواتب فقط،على أهميته و على استرهان الحلقة الأضعف اي الطلاب، خصوصا الأطفال، بل على ابتداع طاقة إيجابية توازن بين الحقوق و الواجبات.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top