
بقلم فاطمة الخواجا
في تاريخ الأدب العربي أسماء كثيرة كتبت ثم غابت، لكن قلّة من الكتّاب تركوا خلفهم ذلك الشعور المؤلم بأن الحياة لم تمنحهم الوقت الكافي ليقولوا ما كانوا يريدون قوله. ومنى جبور واحدة من هؤلاء. فقد دخلت المشهد الثقافي اللبناني في مطلع الستينيات بقوة لافتة، ثم اختفت فجأة وهي في مطلع العشرينات من عمرها، تاركة روايتين فقط وسلسلة من الأسئلة التي ما زالت مفتوحة حتى اليوم.
ولدت منى جبور (1942-1964) في بلدة القبيات في عكار شمال لبنان سنة 1942، في مرحلة كان المجتمع اللبناني يعيش فيها تحولات عميقة بين التقاليد الراسخة ومظاهر الحداثة المتسارعة. ومنذ سنواتها المبكرة أبدت ميلاً واضحاً إلى الكتابة، فنشرت خواطر ونصوصاً في الصحافة الثقافية اللبنانية، قبل أن تتجه إلى الرواية وهي لا تزال في سن المراهقة.
غير أن أهمية منى جبور لا تعود إلى عمرها المبكر فحسب، بل إلى طبيعة الأسئلة التي طرحتها. فقد كانت من الجيل الأول للكاتبات العربيات اللواتي حاولن مساءلة صورة المرأة داخل المجتمع الحديث، لا باعتبارها موضوعاً رومانسياً أو أخلاقياً، بل باعتبارها ذاتاً مفكرة تبحث عن معنى وجودها وحريتها الفردية. ولهذا توضع غالباً إلى جانب ليلى بعلبكي بوصفهما من رائدات الكتابة النسائية الجريئة في بيروت الستينيات.
«…فتاة تافهة» … عنوان ساخر لصرخة وجودية
عندما أصدرت منى جبور روايتها الأشهر «فتاة تافهة»، كانت لا تزال في طور المراهقة نسبياً. غير أن الرواية كشفت عن وعي مبكر بالتناقضات التي تعيشها المرأة العربية المتعلمة في مجتمع يطالبها بأن تكون حديثة في المظهر وتقليدية في الجوهر.
تحكي الرواية قصة «ندى»، الشابة التي تخوض صراعاً يومياً مع سلطة الأب ومع التصورات الذكورية السائدة حول المرأة. ولا تنشغل الرواية بالأحداث بقدر ما تنشغل بالحوار الداخلي والأسئلة النفسية والوجودية التي تسيطر على البطلة، الأمر الذي جعل كثيراً من النقاد يرون فيها نصاً متقدماً على زمنه.
في هذا العمل يظهر بوضوح ذلك التوتر بين الرغبة في الحرية والخوف من العزلة، وبين الحاجة إلى الاعتراف الاجتماعي والسعي إلى تحقيق الذات. وهي ثنائية ستصبح لاحقاً محوراً أساسياً في الكثير من الكتابات النسوية العربية، لكن منى جبور كانت من أوائل من عبّر عنها بهذه الحدة والوضوح.
تمرد يتجاوز سؤال المرأة
القراءة السطحية لرواية «فتاة تافهة» قد تجعلها تبدو رواية احتجاج نسوي فقط، لكن التأمل العميق يكشف أنها رواية عن الإنسان قبل أن تكون رواية عن المرأة. فالبطلة لا تتمرد على الرجل وحده، بل على كل أشكال القوالب الجاهزة التي تحاصر الفرد وتحوله إلى نسخة مكررة من الآخرين.
ولهذا يمكن اعتبار منى جبور من أوائل الأصوات الوجودية في الرواية النسائية اللبنانية. فأسئلة الحرية والعزلة والاختيار والبحث عن الهوية تتصدر أعمالها أكثر مما تتصدرها القضايا الاجتماعية المباشرة. وربما لهذا السبب ظلت نصوصها قابلة للقراءة بعد أكثر من نصف قرن على صدورها.
«… الغربان والمسوح البيضاء» ..
رواية صدرت بعد رحيلها
لم تمهل الحياة منى جبور كثيراً. ففي 24 كانون الثاني/يناير 1964 أنهت حياتها وهي في الحادية والعشرين أو الثانية والعشرين من عمرها، في حادثة صدمت الوسط الثقافي اللبناني آنذاك.
وبعد رحيلها نُشرت روايتها الثانية «الغربان والمسوح البيضاء» عام 1966، لتؤكد أن صاحبتها كانت تسير نحو مشروع أدبي أكثر نضجاً واتساعاً. وقد رأى بعض النقاد في هذه الرواية استمراراً للأسئلة النفسية والوجودية التي شغلتها في أعمالها الأولى، ولكن ضمن بناء سردي أكثر تعقيداً.
لماذا نُسيت منى جبور؟
يطرح اسم منى جبور سؤالاً مؤرقاً: كيف يمكن لكاتبة بهذا الحضور المبكر أن تغيب كل هذا الغياب عن الذاكرة العربية؟
الجواب لا يرتبط بجودة أعمالها، بل بظروف رحيلها المبكر أولاً، ثم بالتحولات السياسية والحروب التي عصفت بلبنان لاحقاً. كما أن الأدب النسائي العربي نفسه تعرض لفترات طويلة إلى التهميش مقارنة بأدب الرجال، وهو ما جعل كثيراً من الرائدات يُدفعن إلى هامش الذاكرة الثقافية. وقد وصفتها دراسات ومقالات عدة بأنها «روائية منسية» رغم مكانتها الريادية.
ولعل المفارقة أن اسم ليلى بعلبكي بقي حاضراً نسبياً بسبب الجدل الذي أثارته أعمالها ومحاكمتها الشهيرة، بينما اختفى اسم منى جبور تدريجياً لأن الموت اختطفها قبل أن تتحول إلى شخصية عامة أو إلى ظاهرة ثقافية ممتدة.
منى جبور بوصفها رمزاً لجيل مُجهض
قد يكون من الخطأ النظر إلى منى جبور باعتبارها مجرد روائية شابة انتحرت مبكراً. الأصح أنها تمثل جيلاً كاملاً من المثقفات العربيات اللواتي وجدن أنفسهن بين عالمين: عالم قديم يرفض الاعتراف الكامل باستقلال المرأة، وعالم جديد لم يكن قد اكتمل بعد.
وهنا تكمن أهميتها الحقيقية. فمنى جبور لم تكتب عن المرأة الضحية فقط، بل عن المرأة التي تريد أن تفكر وأن تختار وأن تخطئ وأن تعيش باعتبارها إنساناً كاملاً. لذلك ما تزال أعمالها، رغم قلتها، تشهد على لحظة مفصلية في تاريخ الثقافة العربية الحديثة.
لقد رحلت منى جبور مبكراً، لكن السؤال الذي طرحته بطلاتها ما زال يتردد حتى اليوم: كيف يستطيع الإنسان أن يكون نفسه في عالم يريد دائماً أن يفرض عليه صورة أخرى؟
ولم تكن منى جبور ظاهرة منفردة في المشهد الثقافي اللبناني خلال ستينيات القرن العشرين. فقد تزامن حضورها مع صعود أصوات نسائية روائية بارزة، لكل منها طريقتها الخاصة في مواجهة أسئلة الحرية والذات والعالم. وإذا كانت منى جبور قد انتهت إلى مصير مأساوي وعنيف، فإن ليلى بعلبكي اختارت شكلاً آخر من الانسحاب، هو الهجرة الطويلة والصمت والغياب عن الحياة الأدبية. أما غادة السمان فقد حولت تمردها إلى مشروع كتابة متواصل وإلى حياة مفتوحة على السفر والحب والتجربة، فيما ارتبط اسم ليلى عسيران بخيار المقاومة والانخراط في القضايا الوطنية. وعلى جانب آخر سارت إميلي نصرالله في درب أكثر هدوءاً، محافظة على حضورها الأدبي عبر عالم القرية والذاكرة وأدب الطفولة.
وربما لهذا السبب، بعد أكثر من ستين عاماً على رحيلها، لا تبدو منى جبور كاتبة من الماضي، بل صوتاً لم ينتهِ من الكلام بعد.
