
بقلم الياس عيسى الياس
نعيش اليوم في عالم تتكدس فيه الأموال والسلطة في أيدي قلة قليلة تعيش في قمة الرفاهية، بينما يكابد ملايين البشر طوال الليل والنهار لمجرد تأمين لقمة العيش وكرامة البقاء.
لقد اعتدنا على هذا المشهد حتى صار يبدو وكأن التفاوت قانون أبدي للطبيعة، وكأن البشر وُلدوا هكذا: فريق يملك كل شيء، وفريق لا يملك سوى التعب.
وحين نراقب في واقعنا السياسي والاجتماعي كيف تتحول الخدمات والمنّة إلى ولاءات، أو كيف تُبنى الزعامات عبر توزيع العطايا وكسب الأتباع، فإننا نستعيد آليات نشأت قبل آلاف السنين.
لكن المفارقة المذهلة التي يطرحها الفيلسوف والباحث كيم ستيرلني في مقاله التحليلي المنشور بموقع “إيون” (Aeon) في حزيران 2021، هي أن هذا العالم الظالم لا يمثل سوى ومضة قصيرة للغاية في تاريخنا الطويل على هذه الأرض.
تخيلوا أن نوعنا البشري يعيش هنا منذ نحو ثلاثمائة ألف عام. وطوال مئتين وتسعين ألف سنة من تلك الرحلة الطويلة، أي نحو 97 بالمئة من تاريخنا، لم يكن البشر يعرفون هذا التفاوت القاسي بالشكل الذي نعرفه اليوم.
لم يكن بين ظهرانينا ملوك ولا طغاة يكدسون الثروات على حساب الجياع. عشنا طويلاً في جماعات صغيرة متنقلة ومترابطة، كانت فقيرة مادياً ربما، لكنها اتسمت بمستويات عميقة من المساواة في الوصول إلى الموارد والسلطة، مع غياب شبه تام للزعامات الدائمة.
ولم تكن تلك المساواة مجرد صدفة عابرة، بل كانت نتاج أعراف وممارسات صارمة طورتها تلك الجماعات لتبقي طموحات الأفراد تحت السيطرة، وتمنع تحول أي مهارة أو مكانة إلى سلطة دائمة.
صحيح أن الحياة لم تكن فردوساً مطلقاً، وأن بعض تلك الثقافات عرفت قسوة التقاليد أو هيمنة كبار السن، لكنها كانت مجتمعات ترفض خضوع الأفراد لإرادة فرد آخر.
فكيف انهارت تلك التوازنات؟ وكيف انتقلنا تدريجياً إلى عوالم ترسخ فيها التفاوت؟
يبدأ التحول الحقيقي حين قرر الإنسان أن يتوقف عن الترحال الدائم ويستقر في أرض واحدة، متزامناً مع الاستقرار المناخي النسبي الذي ميّز العصر الهولوسيني مقارنة بالفترة الجليدية السابقة.
هنا ظهرت الزراعة، ومعها شيء جديد لم يكن ممكناً من قبل: تخزين الطعام لمواجهة الأيام الصعبة. ومع مشقة العمل الزراعي والحاجة لتأمين استمرار العيش، ترسّخت قواعد الملكية الخاصة وحقوق الإرث.
وبدأت الفوارق الاقتصادية تنبت؛ فهناك عائلة تملك أرضاً أخصب أو تبذل جهداً مضاعفاً، وأخرى تضطرها عثرة موسمية إلى تقسيم إرثها الضيق، فتجد نفسها حبيسة الديون والالتزامات التي يصعب سدادها.
ولم تنشأ النخب بالقوة القاهرة وحدها، بل تشكلت عبر مسارات أبطأ وأقل وضوحاً. فالشخصيات الطموحة وجدت في البيئات الجديدة فرصة لتقديم نفسها وسيطةً في النزاعات وممثلةً لجماعتها أمام الجماعات المجاورة، فحظيت بدعم مجتمعي منحها ثقلاً سياسياً.
والأهم من ذلك، أن فائض المحاصيل لم يعد مجرد احتياط عادي، بل أصبح مورداً يُوظّف لكسب الولاءات وبناء شبكات التبعية والنفوذ، عبر تمويل الولائم الفخمة والطقوس التي تكسب صاحبها هيبة ومكانة.
فتتحول الثروة إلى نفوذ، والنفوذ إلى مزيد من الثروة.
فلماذا لم تقاوم الأغلبية هذا التحول؟ لأن مصالح من كانوا في الوسط لم تكن مساواتية بالكامل؛ فكثير ممن هم خارج دائرة النخبة وجدوا لأنفسهم حصة في حماية حقوق الملكية وترتيبات الاستقرار، فصاروا حلفاء أو مستفيدين من وجود “الرجل الكبير” المحلي.
ومع اتساع المجتمعات، تراجعت الحميمية القديمة، وضعفت آليات المساءلة الجماعية التي كانت تكبح الطموح.
وحين نتأمل هذه المسارات التاريخية التي فصلها ستيرلني، نلاحظ أن منطق “المنّ والخدمة مقابل الولاء” يذكّرنا بتلك الآليات البشرية القديمة التي تقوّض المساواة تدريجياً.
إن قصة التفاوت ليست قدراً بيولوجياً في جيناتنا، بل هي نتيجة لتغير شروط العيش وضعف آليات الرقابة الاجتماعية.
ومع أن العودة إلى بساطة العصور القديمة لم تعد ممكنة، فإن السؤال الحقيقي اليوم لا يرتكز على محاولة الرجوع إلى الماضي، بل على كيفية ابتكار تقنيات ومؤسسات اجتماعية جديدة تقوم بالدور القديم نفسه، وتضمن خضوع أصحاب النفوذ للمساءلة، وتصرّ دوماً على ألا تتحول فروق الثروة والمهارة إلى سلاح يبتلع كرامة الإنسان وحريته.
